هدم جدران شركات التكنولوجيا الكبرى «2 من 2»

إن قانون الخدمات الرقمية هو العنصر الأساس في تشريعات الاتحاد الأوروبي الذي سينظم قريبا كيفية التعامل مع المحتوى على المنصات الرقمية الرئيسة. إذ يتطلب من المنصات إزالة جميع المحتويات غير القانونية، مع ضمان عدم المساس بحرية مستخدميها في التعبير. كما ينظم أيضا الطريقة التي تستخدم بها المنصات للخوارزميات لتحديد ما نفعله ولا نراه. ونحن حاليا بصدد تحديد المنصات الكبرى ومحركات البحث التي ستخضع لأحكام قانون الخدمات الرقمية هذه قبل أن تدخل حيز التنفيذ في خريف هذا العام.
وآخر مشكلة رئيسة سيعالجها التشريع الرقمي الجديد للاتحاد الأوروبي هي عدم وجود منافسة سليمة في قطاع التكنولوجيا. فعلى مدى الأعوام القليلة الماضية، رفع المنظمون قضايا كبيرة ضد منصات شبكية كبرى، زاد بعضها من وعي عامة الناس بالقوة السوقية غير الضرورية للمنصات. لكن نظرا إلى أن الأسواق الرقمية زادت تعقيدا، فقد احتجنا إلى أدوات نظامية جديدة لتكملة أدوات مكافحة الاحتكار المعتادة.
وصيغ قانون الأسواق الرقمية لتلبية هذه الحاجة. فهو يتضمن قائمة بـ"ما يجوز وما لا يجوز فعله" من أجل منع ما يسمى منصات "حراسة البوابة" من إساءة استغلال موقعها في الأسواق الرقمية، وإفساح المجال أمام الوافدين الجدد للتنافس مع الشركات القائمة على أساس الجدارة. وتماما كما سيوضح قانون الخدمات الرقمية مسؤوليات المنصات تجاه مستخدميها، سيحدد قانون الأسواق الرقمية مسؤولياتها تجاه مشاركين آخرين في السوق ـ في الأغلب أصغر. وستنتج عن ذلك سوق تكنولوجيا أكثر حيوية وابتكارا وعدالة.
وأصدرنا هذا التشريع في وقت قياسي. وطوال مراحل العملية، تأكدنا من أن عملنا كان يسترشد بالقيم، وليس بالتكنولوجيا الأساسية. وهذه مسألة مهمة، لأنه في حين أن التكنولوجيا تتغير طوال الوقت، فإن القيم لا تتغير.
إننا فخورون بكون أوروبا أصبحت مهد التنظيم التكنولوجي على مستوى العالم. لقد كان من دواعي السرور أن نرى قوانين مماثلة تصاغ في الدول التي تشاركنا قيمنا الديمقراطية والإنسانية، وما زلنا حريصين على تنسيق جهودنا التنظيمية ووضع القواعد مع الآخرين. وكان مجلس التجارة والتكنولوجيا المشترك بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذي أطلق في 2021، أحد الأمثلة المبكرة على كيفية تعميق التعاون الدولي لضمان استفادة الجميع من التكنولوجيا. لقد أقمنا الآن شراكات مماثلة مع الهند، واليابان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية.
ولكي تزدهر الحكومات الديمقراطية، تحتاج إلى مساحات مفتوحة حيث يمكن للناس التحدث والاختلاف والتناقض مع بعضهم بعضا وإيجاد حلول مشتركة. وفي الماضي، كانت لدينا ساحات عامة وغرف منتخبة وجامعات ومقاه. وعندما ظهر الإنترنت لأول مرة، كان يحمل وعدا بتوسيع هذه المنتديات على المستوى العالمي. لكن صعود المنصات الكبرى أعاق الطريق، ما أدى إلى تجزئة محادثاتنا إلى كوكبة من المساحات الغامضة المحاطة بالجدران، ما شكل تهديدا لديمقراطيتنا. وعليه فإن مهمة المواطنين الآن في كل مكان هدم تلك الجدران.

خاص بـ«الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2023.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي