أوروبا وأزمة الغاز التالية «2 من 2»

من المرجح أن يتسبب الطلب على الغاز الطبيعي الـمسال في دفع سعر مرفق نقل الملكية فوق المستويات الحالية، ليصبح الحد الأدنى عند مستوى يقرب من 80 يورو لكل ميجاواط/ساعة. وستزداد صعوبة الموقف إذا توقفت واردات الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي الـمـسال من روسيا تماما، وهو الاحتمال الذي يظل واضحا. في مجمل الأمر، يبلغ حجم هذه الشحنات حاليا نحو 45 مليار متر مكعب "20 في المائة فقط من مستويات ما قبل الحرب".
وإذا اقترن هذا بالعجز الذي يبلغ عشرة مليارات متر مكعب، فستؤدي خسارة العرض على هذا النحو، إلى إيجاد فجوة تقدر بنحو 55 مليار متر مكعب، وهذا أكثر من ضعف الزيادة المتوقعة في الإمداد العالمي من الغاز الطبيعي المسال. ولأن جزءا بسيطا فقط من الغاز الروسي يمكن تحويله بعيدا عن أوروبا وبيعه في الأسواق الدولية، فسيكون المعروض في سوق الغاز الطبيعي الـمسال العالمية ناقصا بشدة. في هذا السيناريو، سيـدفـع بسعر مرفق نقل الملكية إلى ما يتجاوز 100 يورو لكل ميجاواط/ساعة -أكثر من عشرة أمثال السعر قبل الحرب- وقد تضطر الحكومات إلى اللجوء إلى التقنين.
علاوة على ذلك، حتى لو كان المعروض العالمي من الغاز الطبيعي الـمـسال كافيا، فستظل أوروبا مفتقرة إلى القدرة اللازمة لإعادة تحويل الغاز الـمسال إلى حالته الغازية. إذ إنها ستضطر إلى معالجة نحو 190 مليار متر مكعب في مثل هذا السيناريو المتطرف، لكن قدرتها الحالية تبلغ نحو 157 مليار متر مكعب "وإن كان مزيد من المرافق قيد الإنشاء". بطبيعة الحال، إذا كان خفض الاستهلاك أقل من 10 في المائة، فسيكون نقص الغاز أعلى بدرجة كبيرة، ما يصنع ضغوطا أكثر حدة تدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
مع ذلك، من غير المرجح أن تتجاوز أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا 200 يورو لكل ميجاواط/ساعة لثلاثة أسباب، "بخلاف حقيقة أن الاتحاد الأوروبي حدد سقفا للسعر لا يتجاوز 180 يورو لكل ميجاواط/ساعة". أولا، كانت الأسعار المرتفعة العام الماضي راجعة جزئيا إلى نقص الاستعداد لمثل هذه الصدمة غير المسبوقة. فمقارنة بعام مضى، أصبحت أوروبا في موقف أقوى كثيرا للتعامل مع نقص الغاز. ثانيا، ستساعد عمليات الشراء المشتركة للغاز الطبيعي على مستوى الاتحاد الأوروبي في السيطرة على الأسعار، نظرا إلى قوة التفاوض الهائلة التي تتمتع بها الكتلة باعتبارها أكبر سوق منفردة على مستوى العالم.
ثالثا، يعكف الاتحاد الأوروبي حاليا على إدخال معيار أسعار خاص به لعقود الغاز الطبيعي الـمـسال. في الوقت الحالي، ترتبط أسعار الغاز الطبيعي الـمـسال في أوروبا بسعر مرفق نقل الملكية، الذي يتأثر بشكل مباشر بارتباكات تدفق الغاز الطبيعي إلى القارة. لكن المعيار الجديد سيجعل أسعار الغاز الطبيعي الـمـسال في أوروبا أكثر استجابة للديناميكيات في سوق الغاز الطبيعي الـمـسال العالمية مقارنة بتسليم الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب.
على الرغم من تقلص دور روسيا كمورد للغاز إلى أوروبا بشكل كبير، فإن شحناتها ستظل تشكل ضرورة أساسية لإيجاد التوازن بين العرض والطلب في السوق الأوروبية إلى أن يتسنى بناء مزيد من قدرات إعادة تحويل الغاز الـمـسال إلى حالته الغازية، أو إلى أن تـطـرح مصادر بديلة للطاقة. لا شك أن الغاز الطبيعي الـمـسال أصبح أكثر أهمية في خليط الطاقة الأوروبي مقارنة بما كان عليه الحال قبل بضعة أعوام فقط، لكن مقدار الإغاثة الذي يمكنها توفيره محدود. ستظل آليات خفض الاستهلاك والتضامن "في حالة النقص الشديد في العرض" ضرورية لتجنب أزمة الطاقة في الشتاء المقبل.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2023.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي