تقارير و تحليلات

ارتفاع الفائدة يضع نهاية لطفرة العقارات البريطانية .. الأسعار في «فخ» التصحيح السريع

ارتفاع الفائدة يضع نهاية لطفرة العقارات البريطانية .. الأسعار في «فخ» التصحيح السريع

يعد القطاع العقاري أحد أبرز القطاعات الاستثمارية في بريطانيا، ومع نهاية عام 2022، فإن التساؤل يدور حول مدى الجاذبية الاستثمارية للقطاع في العام الجاري، خاصة أن المشكلات المتعلقة بارتفاع الأسعار والضغوط المعيشية التي يعانيها الاقتصاد البريطاني حاليا، تدفع إلى التساؤل عما سيحدث لأسعار المساكن مستقبلا، وهل سيكون العام الجاري ملائما لشراء وتأجير العقارات؟ وهل تطوير العقارات استراتيجية استثمارية مثلى للعام الجاري؟ وما مستقبل سوق العقارات الفاخرة الذي تلعب دورا مهما في اقتصاد المملكة المتحدة؟
"الاقتصادية" سعت إلى استشراف التوقعات الخاصة بأسعار المنازل في بريطانيا في العام الجاري من خلال استطلاع آراء مجموعة كبيرة من الخبراء في المجال العقاري، لتجد أن هناك ما يشبه الإجماع على أن الأسعار ستنخفض، لتنتهي بذلك أعوام من الارتفاعات الكبيرة في الأسعار، فأزمة تكاليف المعيشة وزيادة تكلفة الاقتراض نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة بصفة عامة، وانعكاس ذلك على التمويل العقاري تحد من قدرة المشترين على تمويل المشتريات.
وتصب الأرقام والإحصاءات التي ظهرت أخيرا والمتعلقة بشهر تشرين الثاني (نوفمبر) تحديدا في دعم تلك التوقعات، فقد انخفض المعدل السنوي للنمو في أسعار العقارات من 8.2 في المائة إلى 4.7 في المائة حاليا، ومثل نوفمبر الشهر الثالث على التوالي الذي تنخفض فيه أسعار العقارات مع قيام المشترين المحتملين بتبني سلوك محافظ في عمليات الشراء وتأخير عمليات الحصول على عقار بسبب عدم اليقين الاقتصادي، ورغبة منهم في أن يتضح لهم مسار الاقتصاد الوطني، وتحديدا أسعار الفائدة.
وفي نوفمبر الماضي، شهدت أسعار المنازل في المملكة المتحدة أكبر انخفاض لها منذ 14 عاما، وتراجعت القيمة السعرية للمنازل بنسبة 2.3 في المائة، بحيث بلغ متوسط سعر المنزل نحو 286 ألف جنيه استرليني، ما يعكس تقلبا في السوق.
من جانبها، ترى الخبيرة العقارية كلاير دافي، أنه من الواجب وضع الانخفاضات الراهنة في سياقها، فالزيادات السريعة في أسعار العقارات خلال الأعوام الماضية لم يكن من الممكن لها أن تستمر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وقالت لـ"الاقتصادية" إن "كثيرا من المستثمرين في أعوام سابقة بمن فيهم مستثمرون من منطقة الخليج وروسيا والصين تعاملوا مع القطاع العقاري البريطاني باعتباره استثمارا آمنا ومربحا، لكن مع ابتعاد رجال الأعمال والمستثمرين الروس عن السوق البريطانية نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية والعقوبات البريطانية والدولية على العشرات من رجال الأعمال الروس، وتنامي مناخ من العداء للصين في السياسات والإعلام البريطاني، والرياح الاقتصادية المعاكسة في بريطانيا، كل تلك التطورات أدت إلى إيقاف بعض التحركات المحتملة في عمليات الشراء حيث يشعر المشترون بضغط متزايد".
مع هذا لا يرى بعض الخبراء الصورة شديدة السوء رغم الانخفاضات السعرية في الأشهر الأخيرة، فمقارنة بالعام الماضي لا تزال أسعار العقارات مرتفعة، وإذا تمت مقارنتها بالوضع في مارس 2020 عندما بدأت جائحة كورونا، فإن الأسعار أكثر ارتفاعا بنحو 46 ألف جنيه استرليني.
فيما يرى المطور العقاري دروس وليام، أن ارتفاع الأسعار مقارنة بفترات سابقة يكشف أن جوهر الأزمة العقارية في بريطانيا لا يزال قائما، فالمعروض من الوحدات السكنية لا يزال ضعيفا نسبيا.
وذكر لـ"الاقتصادية" أن "شركات عقارية رئيسة أعلنت أنها ستبني العام الجاري عددا أقل من المنازل مقارنة بالعام الماضي، وهذا يعني أن الانخفاض الذي نشهده في الأشهر الأخيرة يتعلق أساسا بضعف القدرة الشرائية لدى المشترين".
لكن تراجع أسعار العقارات في المملكة المتحدة خلال الأشهر الماضية، واستمرار عدم اليقين الاقتصادي في قطاع تدعمه عادة الاستثمارات الأجنبية ويتصف بندرة العرض، يدفع إلى التساؤل هل يمكن أن ينهار قطاع العقارات في المملكة المتحدة العام الجاري، أو أن يتكرر مشهد الأزمة المالية لعام 2008 عندما انخفضت أسعار المنازل بنسبة 19 في المائة؟
في المقابل، استبعد الدكتور كريس توني أستاذ الاقتصاد البريطاني في جامعة لندن، حدوث انهيار في سوق العقارات البريطانية، لكنه رجح أن تنخفض الأسعار بنسبة 7 في المائة تقريبا العام الجاري.
وقال لـ"الاقتصادية" إن "ارتفاع أسعار الفائدة وضع نهاية لطفرة السوق العقارية التي استمرت 13 عاما تقريبا، وتصحيح أسعار المنازل جزء رئيس من الركود الاقتصادي الراهن".
مع هذا يحذر من أن تقع عملية التصحيح السعري لأسعار العقارات في فخ ما يصفه بـ"التصحيح السريع"، ما يترك بصمات أكثر سلبية من المتوقع على الأسعار.
وفي الواقع فإن بعض البنوك والجهات الاستثمارية تبدو أقل تفاؤلا تجاه سوق العقارات البريطانية في العام الجاري، إذ يرجح بنك الاستثمار انخفاض الأسعار بنسبة 10 في المائة في الربع الثاني من عام 2023، بينما أعلنت شركة ناشين وايد أحد أكبر مزودي الرهن العقاري أن أسعار المنازل قد تنهار بنسبة 30 في المائة، وقدر بنك لويدز نسبة الانخفاض بـ18 في المائة أما بنك باركليز فيرجح أن تصل إلى 22 في المائة.
مع هذا يرى بعض الخبراء العقاريين أن تلك التقديرات لا تأخذ في الحسبان التفاوتات بين المناطق المختلفة في المملكة المتحدة، مرجحين انخفاض الأسعار في المناطق التي ارتفعت فيها بشكل أسرع خلال الأعوام القليلة الماضية، أما المناطق باهظة الثمن مثل وسط العاصمة لندن فمن المحتمل أن تتغلب على تلك التراجعات السعرية بشكل أفضل.
من ناحيته، يعتقد فيرون ريتشارد المحلل العقاري في جمعية ليدز بيلدينج للرهن العقاري، أن مزيجا من صعود أسعار الفائدة وارتفاع معدلات البطالة سيلعبان دورا رئيسا في انخفاض أسعار المنازل، لكنه لا يتوقع أن يستمر هذا التراجع أكثر من عامين على أسوأ تقدير.
وقال لـ"الاقتصادية" إن "سوق الإسكان في المملكة المتحدة عبارة عن سلسلة من الأسواق المحلية، وتظهر أبحاثنا أن 81 في المائة من المشترين الطامحين إلى الشراء لأول مرة يقولون إن أزمة تكلفة المعيشة جعلت من الصعب عليهم الادخار لشراء منزل، ما يجعل البديل المتاح هو الإيجار، ولذلك نتوقع أن تبدأ أسعار العقارات في الارتفاع مرة أخرى بمعدل أسرع قليلا من دخل الناس بزيادة 1.2 في المائة عام 2025، و3 و3.5 في المائة في عامي 2026 و2027 على التوالي".
يراهن بعض الخبراء العقاريين على المستثمرين من دول الخليج لإنعاش سوق العقار في المملكة المتحدة.
وهنا ترى الخبيرة العقارية جانيا سميث، أن انخفاض قيمة الاسترليني والعائدات المالية الضخمة في الدول الخليجية والعلاقات المميزة على المستويين السياسي والاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة، تجعل الاستثمار في سوق العقارات البريطانية شديدة الجاذبية للمستثمرين الخليجيين، خاصة ما يعرف بالإسكان الفاخر.
وذكرت لـ"الاقتصادية" أنه "غالبا ما يظهر الخليجيون اهتماما خاصا ومتزايدا بسوق العقارات الفاخرة في لندن، ويرتبط ذلك بالتعليم، حيث هناك كثير من الطلاب الخليجيين يدرسون في لندن، وأيضا البعض يستثمر لجني المال، ويتعاملون مع تلك العقارات الفاخرة باعتبارها استثمارا آمنا، وحاليا يمتلك الخليجيون تسعة من أكبر مواقع التطوير في وسط لندن أي ما يعادل 28 ألف منزل جديد".
وتستدرك قائلة، المملكة المتحدة أكبر سوق عالمية للاستثمار في العقارات التجارية، حيث يستثمر 18.3 مليار دولار سنويا، والاستثمارات الخليجية تلعب الآن دورا مهما للغاية في القطاع العقاري البريطاني، وما تمتلكه الدول الخليجية من قدرة استثمارية تؤهلها لمنع السوق العقارية البريطانية من التراجع خاصة في مجال العقارات الفاخرة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات