تقنيات متسارعة وقطاع يتطور

يشير كثير من الدراسات إلى وجود ارتباط قوي بين تطور المنظومة المالية في أي دولة وقوة اقتصادها، والسبب في ذلك أن وظيفة القطاع المالي تتمحور حول دوره في توجيه الأموال نحو الاستثمارات المتنوعة، التي بدورها تسهم في التنمية الاقتصادية. إضافة إلى ذلك يلعب القطاع المالي أدوارا أخرى مهمة تشمل سهولة انتقال الأموال بين المودعين والمقترضين، وتقديم الحلول المالية للتحوط ضد المخاطر على شكل منتجات مالية تزيل المخاطرة عن طرف، وتمنحها إلى الطرف الآخر الذي يبحث عنها، بهدف تعظيم العائد، إلى جانب قيام القطاع المالي برصد أسعار الأصول والأوراق المالية المختلفة.
وفي الوقت نفسه نجد أن الارتباط بين المال والاقتصاد من الممكن أن يحدث اختلالات اقتصادية نتيجة وقوع الأزمات المالية التي تتنوع مسبباتها بين سوء الإدارة أحيانا، وحدة المخاطر المتعلقة بالأصول المالية ومنتجاتها، وفي أحيان أخرى نتيجة تقلبات سيكولوجية المشاركين، لذا فإن بناء منظومة مالية متكاملة أمر في غاية الأهمية، مع ضرورة وجود رقابة فاعلة ومتابعة وإشراف دائمين.
بسبب تلك الأهمية للقطاع المالي تم إطلاق برنامج القطاع المالي كأحد أهم البرامج التنفيذية لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، إيمانا بأهمية القطاع المالي في دفع عجلة التنمية ودعم الاقتصاد في البلاد. وقد انتهت هذا الأسبوع جلسات حوارية ضمن نشاطات مؤتمر تطوير القطاع المالي الذي ترعاه أبرز الجهات المعنية في المملكة، كوزارة المالية والبنك المركزي وهيئة السوق المالية. وقد تمت مناقشة المتغيرات والتطورات التشريعية والتنظيمية للصناديق الاستثمارية، وكذلك استعراض واقع أسواق أدوات الدين المحلي وطرق تعزيزها وتنميتها.
في السياق نفسه أصدر مركز التواصل والمعرفة المالية، التابع لوزارة المالية، تقريرا حول القطاع المالي في المملكة العربية السعودية استعرض من خلاله عددا من الإنجازات التي تمت حتى منتصف 2022، منها إدراج استراتيجية التقنية المالية "فنتك السعودية" ضمن الركائز الأساسية للبرنامج. من متطلبات هذه الاستراتيجية إنشاء بيئة مالية معزولة تستخدم من قبل الجهات المطورة لبرامج التقنية المالية وخدماتها، دون إرباك للنظم القائمة أو التأثير فيها، وهذا ما قامت به كل من هيئة السوق المالية والبنك المركزي في تأسيس بيئة sandbox.
من الإنجازات اللافتة للقطاع، التي تتماشى مع التطورات المتسارعة على صعيد التقنية المالية، اعتماد البنك المركزي سياسة المصرفية المفتوحة، التي تعد تغيرا جوهريا في سياسة احتفاظ كل مصرف على حدة ببيانات عملائه، حيث بفضل هذه السياسة الجديدة أصبح من الممكن لأي أطراف أخرى مؤهلة الاستفادة من بيانات العميل، بموافقته طبعا، وذلك من أجل تقديم خدمات مالية متقدمة. سياسة المصرفية المفتوحة تعني أن العملاء سيتمكنون من الحصول على منتجات مالية جديدة، على سبيل المثال استخدام تطبيقات الهاتف المحمول التي تقوم بتحليل بيانات العميل لدى المؤسسة المالية واستخراج معلومات مفيدة منها بحسب سلوكيات الشخص واهتماماته.
هذه الخدمات الجديدة الناتجة عن سياسة المصرفية المفتوحة لم تكن ممكنة في أعوام ماضية بسبب استحواذ كل مصرف على بيانات عملائه وعدم مشاركتها مع الآخرين، بحجة حماية خصوصية العميل. إلا أنه بسبب التطورات في مجال التقنية المالية أصبح العملاء هم من يطالب بالحصول على تلك الخدمات، طالما أن الجهات القائمة عليها جهات موثوقة وتمارس أعمالها تحت إشراف الأجهزة الرقابية المالية المعنية. بلغ عدد الشركات العاملة في مجال التقنية المالية "فنتك السعودية" هذا العام 147 شركة، بزيادة 65 شركة على 2021، ما يشير إلى مدى الإقبال على هذا النوع من الشركات.
من التطورات اللافتة كذلك لبرنامج تطوير القطاع المالي أنه تم إصدار تراخيص لثلاثة بنوك رقمية يمكن من خلالها تقديم خدمات بنكية متنوعة بطرق إلكترونية عبر الإنترنت ودون وجود بنك في صورته التقليدية. والمملكة اليوم تعد من أكثر الدول تقدما في تقنية المدفوعات الرقمية عبر الاتصال قريب المدى NFC، وهي التقنية التي تتيح للعميل إتمام عملية الدفع دون الحاجة إلى إدخال أي بيانات وتعمل بطريقة مشفرة وآمنة.
هناك تطورات سريعة ومتقدمة لدى القطاع المالي، الذي يشمل القطاع المصرفي وشركات التأمين وشركات الوساطة المالية والأسواق المالية والصناديق الاستثمارية ومؤسسات التمويل، وهي التطورات المنطلقة من برنامج تطوير القطاع المالي الذي يهدف إلى تمكين المؤسسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص، وتطوير سوق مالية متقدمة، وأخيرا يهدف البرنامج إلى تعزيز التخطيط المالي وتمكينه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي