الحضور السعودي .. التوازن والتأثير

مثل دور المملكة العربية السعودية منذ تشكيل "مجموعة العشرين"، محورا أساسيا في هذه الكتلة التي تضم أقوى 20 اقتصادا على مستوى العالم. فقد استطاعت من خلال مبادراتها ومشاريعها التي قدمتها القيام بحلقة مهمة واستراتيجية في ضبط الاقتصاد العالمي، كما أن هذه الطروحات أسست لانطلاقات مختلفة على الساحة الدولية في كل المجالات التي تهم البشرية، مثل الطاقة والبيئة والصحة والتنمية، إضافة إلى هذا التحرك والتوجه الذي تلعبه في الحد من الخلافات التي تظهر بين الحين والآخر في هذا الميدان أو ذاك. فهي تسهم في "مجموعة العشرين" ليس فقط من جهة موقعها وإمكاناتها ومكانتها، بل من ناحية حرصها على الحفاظ على الاستقرار عالميا بصرف النظر عن أي اعتبارات، والعمل المتواصل لصد التأثيرات السلبية عن المجتمع الدولي ككل، بما في ذلك الجانب المتعلق بالأمن والسلام الدوليين.
ويعد اعتماد السعودية عضوا في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم اعترافا بأهميتها الاقتصادية ليس في الوقت الحاضر فقط، وإنما في المستقبل أيضا، وتعطي العضوية في هذه المجموعة لها قوة ونفوذا سياسيا واقتصاديا ومعنويا يجعلها طرفا مؤثرا في صنع السياسات الاقتصادية العالمية التي تؤثر في اقتصاد المملكة واقتصادات دول المنطقة.
وتأتي مشاركة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في قمة بالي الإندونيسية الـ17 امتدادا لمشاركات السعودية في القمم السابقة ولأهميتها في المناقشات التي تهم العالم خاصة الاقتصادية والسياسية فيما يتعلق بقضايا الجوع والطاقة وبحث ملفات أخرى مثل ملف الصحة العالمية الذي أصبح ذا أولوية خاصة بعد انتشار فيروس كورونا. وقد التقى ولي العهد كثيرا من قادة الدول على هامش هذه القمة للتفاكر والتباحث حول الأجندة المطروحة وتنسيق المواقف المشتركة للخروج بقرارات إيجابية تخدم شعوب دول العالم كافة، وأيضا طرح حلول مناسبة للأزمات التي يعانيها العالم من صراعات ونقص في الغذاء والإمدادات.
وفضلا عن أهمية ونشاط السعودية وإمكاناتها ومبادراتها ومساهمتها مباشرة وبقوة في رسم سياسة الاقتصاد العالمي، يأتي جانب مهم للغاية اعترفت به الدول الأعضاء في "العشرين" يتعلق بأنها تصدرت كل الدول التي تفي بالتزاماتها سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية. ووفرت رؤية 2030 قوة دفع بارزة ومؤثرة لدور السعودية في هذا التجمع الذي أخذ زمام المبادرة الدولية في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في 2008. بما في ذلك تحول الاقتصاد السعودي إلى قوة جذب لا تتوقف للاستثمارات الأجنبية، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال مكانة وسمعة البلاد الائتمانية. فقد حافظت السعودية على تصنيفها الائتماني حتى في عز الأزمات التي مر بها العالم، بما في ذلك جائحة كورونا التي قادت الرياض خلال فترة رئاستها "مجموعة العشرين" في 2020 جهودا دولية أسفرت عن عوائد محورية على صعيد مواجهة هذه الكارثة الإنسانية غير المتوقعة. فالسعودية تجسد فيها "النموذج السياسي، والاقتصادي، والتعاوني الذي لا حل للعالم من دونه". وطرحت الحلول المتاحة للنجاة من أزمة كورونا وتبعاتها.
رغم جائحة كورونا وآثارها السلبية في العالم، تمكنت الرياض خلال رئاستها المجموعة في ذلك العام من تحقيق عدة مستهدفات تصب في المصلحة العالمية. فقد قادت دول المجموعة إلى إجماع بشأن الاقتصاد الرقمي، وعززت الترابط بين هذا الاقتصاد ومصادر الطاقة. ما أدى إلى تنافسية إيجابية على صعيد هذا القطاع المحوري الذي يبقى أساسا للحراك الاقتصادي والتنموي العالمي. ورغم ذلك، تقدمت على صعيد الطاقة المستدامة من خلال مشاريع لا تنتهي، لا تحاكي المستقبل فحسب، بل توفر الأدوات اللازمة لحماية المناخ والبيئة عموما.
فالنماذج والطروحات والأفكار السعودية الدولية والإقليمية تترك آثارا مهمة في هذا المجال، بما في ذلك المبادرة الإقليمية العالمية الكبرى المعروفة بـ"الشرق الأوسط الأخضر". مع ضرورة تأكيد أن الرياض عملت ولا تزال بقوة على تسريع تطوير وتبني تقنيات ومصادر الطاقة النظيفة، بهدف إدارة الانبعاثات والمواد الهيدروكربونية. وهذه النقطة تمثل محورا رئيسا على الساحة الدولية.
المبادرات السعودية لا نهاية لها، فهي تمثل محورا أساسيا في المجال الصحي العالمي، عبر سلسلة من المشاريع بما في ذلك عزمها على ضخ استثمارات تصل إلى 3.4 مليار دولار في قطاع اللقاحات والأدوية الطبية الحيوية. كل هذا إضافة إلى مشاريع تستهدف الحفاظ على النمو الاقتصادي العالمي، والعمل على احتواء أي تراجع في هذا النمو كما يحدث حاليا بسبب الموجة التضخمية الدولية الشاملة. الدور السعودي من خلال "مجموعة العشرين"، وفر ضمانات كبيرة للمجتمع الدولي. فهذه المجموعة التي تسيطر على 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، و80 في المائة من التجارة العالمية، حققت قفزات نوعية منذ تأسيسها في 1999، وفي كل تقدم كان الدور السعودي أساسيا، بما في ذلك التزامات الرياض الكاملة بتعهداتها، بينما واجهت بعض دول المجموعة انتقادات بشأن تراخي التزاماتها هذه.
مجموعة العشرين التي تستضيف قمتها إندونيسيا حاليا، تبقى محورا أساسيا في التوجيه العالمي نحو الاستقرار والاستدامة والتنمية والسلام. والسعودية لها دور أساسي متجدد ومتطور في كل قطاع يدعم مستقبل هذا الكوكب الإنساني.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي