العائلة أم الأعمال .. أيهما أولا؟

عانى كثير من منظمات الأعمال في العالم تحديات بشأن الاستدامة، كما أن هناك مشكلات في كل شيء تقريبا، مشكلات تتعلق بسلاسل الإمداد، أو تلك التي لها علاقة بالطاقة وارتفاع الأسعار أو بمحاولة المواءمة، من دعوات حماية الأرض من الاحتباس الحراري والتلوث، أو بمشكلات تتعلق بالتمويل مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، فالاستدامة مشكلة تواجه جميع المنظمات سواء كانت حكومية أو خاصة، والمؤسسات التجارية العائلية تواجه فوق هذا كله تحديات ثقافية، تتعلق بالحوار بين الأجيال، والقيم، وهذه التحديات قد تؤدي إلى فناء الشركة العائلية. ومن خلال الدراسات تبين أن مرونة الشركات العائلية تسهم في معالجة الضغوط الثقافية التي تواجهها بسبب التغييرات في هيكل الأسرة كوفاة المؤسس مثلا، لكن هذا مرهون تماما بقدرة العائلة على أن تتفاعل معا كأسرة واحدة وإدراك الجميع ضرورة استدامة الشركة العائلية.
ولذا تأخذ الجوانب الثقافية اهتماما بالغا من جانب المعنيين بالشركات العائلية، وهناك نموذجان في هذا الجانب من حيث النظرة إلى الشركة، فبعض الشركات تتبع نموذج العائلة أولا، والنظر على أن العمل في الشركة حق مكتسب، وليس شيئا يجب اكتسابه من خلال المؤهلات أو الجدارة، كما أن المساهمة في العمل داخل الشركة تعد واجبا، وفي هذا النموذج يحصل أفراد العائلة الذين ينضمون إليها على الأجر نفسه بغض النظر عن مساهمتهم أو مسؤولياتهم، لأن خدمة العائلة هي المعيار، كما تعد الشركة العائلية جزءا أساسيا من هوية العائلة، وهنا تسعى الشركة إلى نقل المسؤوليات من الجيل الحالي إلى الجيل التالي، لكن هذا عادة ما يواجه صراعا بين الأجيال، وفي أحيان كثيرة يصعب ذلك ما لم يكن الجيل التالي لديه الثقافة نفسها والعمل ومعايير الأداء، فإذا لم يحدث ذلك فإن الجيل التالي سيقوم ببيع الشركة، وفي الأغلب ما تكون الشركات التي تعمل وفقا لهذا النموذج أقل حجما لأنها تعتمد على موارد العائلة لتمويل الشركة، وهي في الأغلب غير كافية لتحقيق تطوير كبير في اقتصادات الحجم، ولا هو على استعداد لتحمل المخاطر، ولهذا فإن تعرض الجيل المؤسس لمشكلات التأسيس قد لا يدركها الجيل التالي الذي يرى في الشركة عبئا ماليا لذا يقوم ببيعها عندما تنتقل إليه الملكية لتجنب مخاطر التمويل.
في مقابل هذا النموذج هناك شركات عائلية تجعل الأعمال أولا، وتؤمن هذا الشركات بأن كل جيل يجب أن يثبت نفسه، وهي تشجع على بدء العمل والحصول على الخبرة في خارج الشركة العائلية، كما أن هذه الشركات تستند إلى الجدارة والمؤهلات للحصول على وظيفية قيادية في الشركة، وهناك استعداد لتوظيف فرد من غير العائلة لمنصب إداري رئيس إذا لم يوجد في العائلة من هو قادر على ذلك، ووجدت الدراسات بأن هذا النوع يتمتع بفرص بقاء أطول من النوع السابق، لكن هذا النوع بتركيزه على الأداء فقط، فهو عرضة لزيادة التوترات داخل العائلة، وحدة المنافسة بين أفرادها والعداوة.
وتبين لعديد من الباحثين أن القيم مهمة لبقاء الشركات سواء في الشركات التي تعد العائلة أولا أو تلك التي تعد الأعمال أولا. القيم هي مفتاح الاستدامة في الشركات العائلية، فالاستمتاع بالعمل يعد قيمة أساسية للنجاح في الشركات العائلية، ويجب على الأجيال القادمة أن تفهم هذه القيم من أجل استمرار الشركة في نموها ونجاحها، فالشركات التي حققت الاستدامة والصمود طوال عقود طويلة مع التقلبات الاقتصادية العالمية الصعبة، كانت تعتمد على بناء قيم وهوية للعائلة والشركة، تحقق لكل أفراد العائلة أهمية رمزية تنتقل بين الأجيال، كأحد أهم الأصول التي يجب على كل فرد في العائلة أن يحافظ عليها سواء شارك في المهام والأعمال والوظائف أو لم يشارك، وهذا الأصل هو الوسيلة الأساسية للاستدامة والصمود، بل تحقيق الربح ولا يمكن لعمل تجاري عائلي أن يبني إرثا بلا قيم عائلية مشتركة.
لكن بقي السؤال الصعب حول هذه الرمزية وهذا الأصل وهذه القيم، أين تكمن ومع من وأين تجدها الأجيال؟ هذا السؤال يواجه اليوم تحديات بحثية كبيرة وقد ناقشته "الاقتصادية" في تقرير مفصل مع مناقشة "تقرير استطلاع الأسرة الهندية 2018"، الذي انتهى إلى أن واحدا من كل اثنين من جيل الألفية قضى أقل من عشرة أيام في العام مع أجداده، وقضى ما يقارب ثلث الشباب من جيل زد "وهم الذين ولدوا بين 1995 و2009 وهو الجيل الأكثر حاليا بنحو 30 في المائة من سكان العالم، وقريبا من ملياري شخص، كما أنهم يعيشون في المدن الكبيرة وبشكل منفصل تقريبا عن أسرهم"، وهذا يجعل من الصعوبة بمكان أن يتم نقل القيم التي بنيت عليها الشركات العائلية إلى هذا الجيل، فالقيم العائلية كما يشير التقرير لا تتناقل في الفراغ، ولا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بل من خلال الذكريات الجميلة لأولئك الذين ترعرعوا في عائلات مترابطة بشكل وثيق، وتناولوا الوجبات مع بعضهم.
وقد اهتمت المنظمات الدولية بالشركات العائلية وتم إنتاج عديد من قواعد الحوكمة لهذه الشركات، وفي نظام الشركات الجديد نصت المادة الـ11 على الميثاق العائلي، لتأسيس الشركة، يتضمن تنظيم ملكية العائلة وحوكمتها وسياسية توظيف أفراد العائلة، وهو اتفاق ملزم، ومع ذلك فإن كل هذه القواعد وحوكمة الأنظمة لم تضع آليات واضحة لكيفية بناء ثقافة العائلة وقيم التميز فيها، ولذا فإن تقرير "الاقتصادية" يضع أسسا لذلك، ومن بينها إقامة مناسبات إلزامية، ولكل أفراد العائلة ويمكن إنشاء مجلس للعائلة لتسهيل الحوار، وعندما يصل الأطفال إلى سن المراهقة، يجب تعريفهم بالمجلس، وأن تعقد اجتماعات مجلس العائلة بشكل دوري لا يقل عن مرتين في العام، في مكان محايد، ومن الآليات عند تعيين مستشار، خبير، وغير متحيز، ومستمع جيد يسمح بتحفيز النقاش وطرح الحلول وتخفيف الأجواء المتوترة، وأن يقوم بدور المحاور الأب المؤسس عن الأعوام الأولى للعمل التجاري مصحوبة بصور وبعض التمثيل، لجعلها مثيرة لاهتمام الجيل القادم. وهذه جميعها من الوسائل التي أثبتت نجاحها في العائلات التجارية التي حققت متطلبات الاستدامة والصمود.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي