مشاريع متجددة .. أمثلة تحتذى
تتوالى الجهود السعودية في تقديم الحلول والمبادرات العملية لمساعدة العالم على حل المشكلات المناخية، إيمانا من المملكة بكون مشكلة المناخ بطبيعتها عالمية، وأن الحلول يجب أن تتبع استراتيجيات متنوعة ومتعددة، وأخيرا يجب أن تتم هذه الإجراءات دون تأثيرات سلبية في إمدادات الطاقة وأسعارها. ومن هنا جاءت مبادرة السعودية الخضراء بهدف دعم نطاق العمل المناخي في المملكة، وتأكيد التزامها بمكافحة التغيرات المناخية ومعالجة التحديات البيئية.
تجلى الاهتمام السعودي بالمناخ في فعاليات اليوم الأول من منتدى مبادرة "السعودية الخضراء" المنعقد في شرم الشيخ، حيث أعلنت السعودية جملة من المشاريع والمبادرات المذهلة، منها أن تصبح المملكة أكبر منتج ومصدر للهيدروجين النظيف منخفض التكلفة في العالم، وكذلك إعلان خطط لتطوير عشرة مشاريع إضافية في مجال الطاقة المتجددة، وإضافة 840 ميجاواط من الطاقة الشمسية إلى شبكة الكهرباء الوطنية، إلى جانب الإفصاح عن مشروع مهم معني بإنشاء أكبر مجمع في العالم لالتقاط ثاني أكسيد الكربون ونقله وتخزينه بقيادة شركة أرامكو السعودية وشركائها، المقرر له أن يباشر أعماله بحلول 2027.
تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون والتصرف فيه مهمة للغاية، ليس فقط لكونها تمهد الطريق لتحقيق مستهدفات الحياد الصفري، بل كذلك لإحداث انخفاضات في مستويات ثاني أكسيد الكربون في طبقات الجو، حيث يتحقق هذا الهدف الأخير من خلال بعض التقنيات الحديثة التي تزيل الغاز من الجو مباشرة، وليس فقط من مصادر الانبعاثات. المشروع السعودي الذي تقوده "أرامكو" وعدد من شركائها سيتمكن في الأعوام المقبلة من التقاط وتخزين تسعة ملايين طن سنويا من غاز ثاني أكسيد الكربون في مرحلته الأولى، ليحقق بذلك تقدما كبيرا نحو هدف المملكة لالتقاط واستخدام وتخزين 44 مليون طن بحلول 2035.
تختلف فكرة التقاط ونقل وتخزين الكربون عن الجهود السعودية الأخرى المتعلقة بالاقتصاد الدائري للكربون، الذي يستهدف القوى الطبيعية من زراعة الأشجار وتحسين التربة في عملية امتصاص الكربون من الهواء عن طريق عمليات التمثيل الضوئي التي تقوم بها الأشجار. فالتقاط الكربون موجود كتقنية منذ السبعينيات الميلادية لدى شركات النفط والغاز لاستخدامه في رفع جودة حقول النفط، حيث يتم التقاط ثاني أكسيد الكربون وإعادة ضخه في الحقول للمساعدة على استخراج النفط ورفع جودة الغاز الطبيعي. في ذلك الوقت لم تكن فكرة الحفاظ على البيئة ضمن أهداف تلك المشاريع، إلا أن التقنية تطورت في العقود القليلة الماضية لتشمل طرقا عديدة تسمح بالتحكم في الانبعاثات الكربونية لتحقيق فوائد أخرى كثيرة، وبانخفاضات متتالية في تكلفة هذه التقنيات.
من المعروف أن تركز ثاني أكسيد الكربون في الهواء يقاس بالجزء الواحد من المليون، حيث يقدر أن النسبة كانت نحو 280 جزءا من المليون قبل انطلاق الثورة الصناعية، وهي الآن في حدود 415 جزءا من المليون، بحسب بيانات الإدارة الأمريكية للبحار والغلاف الجوي، ما يعني ازدياد تركز ثاني أكسيد الكربون في الهواء. وعلى الرغم من مستهدفات الحياد الصفري بحلول 2050 إلى 2060، إلا أن هناك حاجة إلى خفض مستويات الكربون في الغلاف الجوي، وليس فقط الوصول إلى نقطة التعادل، كتلك النشاطات التي تقوم بها المملكة من خلال مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر.
أما مشروع التصرف في ثاني أكسيد الكربون الذي تعمل عليه "أرامكو" حاليا، فهو يسهم كذلك في الوصول السريع إلى الحياد الصفري، لكن في الوقت نفسه يمكن لهذا المشروع وما سيتولد عنه من حلول الإسهام في خفض مستويات الانبعاثات، وهذا أمر مهم للغاية. توجد حاليا تقنيات ناجحة، بعضها لدى "أرامكو" نفسها، لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة سواء من خلال المركبات أو من خلال أجهزة وآليات خاصة، تقوم بامتصاص الكربون من الهواء ومن ثم جمعه ونقله واستخدامه في منتجات عديدة. من ضمن الاستخدامات الواعدة لثاني أكسيد الكربون توظيفه في مجالات صناعية وفي إنتاج الأسمدة الزراعية.
بحسب وكالة الطاقة الدولية بلغ حجم التقاط الكربون في العالم 40 مليون طن في 2020، إلا أن المستهدف لـ2030 يبلغ 1665 مليون طن، ومن ثم 5619 مليون طن في 2040 وأخيرا 7602 مليون طن في عام الحياد الصفري 2050. كما هو معروف إحدى أهم طرق الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون تتمثل في إعادة ضخه في الحقول النفطية، إلا أن المشاريع الجديدة الصديقة للبيئة لديها تقنيات حديثة تقوم بضخ الغاز في أعماق الأرض لتخزينه في باطن الأرض بعيدا عن الطقس، ويتم ذلك بتشييد طبقات أرضية عازلة تمنع تسرب الغاز. مشكلة الطريقة هذه أن فوائدها الاقتصادية محدودة، وبالتالي لن تجد الإقبال اللازم الممكن الحصول عليه في حال كانت هناك فرص استثمارية ترفع من جدوى هذا النشاط. لذا فإن الفائدة الحقيقية من المشروع المستهدف من "أرامكو" هي أن نجاح المشروع سيكون شهادة نجاح تجارية ومثالا يحتذى لاستقطاب الاستثمارات حول العالم.
على الرغم مما لدى إيلون ماسك الملياردير الشهير من هفوات وشطحات، إلا أنه أعلن العام الماضي جائزة قيمتها 100 مليون دولار لمن يستطيع ابتكار طريقة عملية ومجدية لالتقاط الكربون من الهواء، ما يشير إلى أهمية مجال التقاط الكربون على مستوى المستثمرين حول العالم، وهو لا شك أحد الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها مشروع "أرامكو" الخاص بالتقاط الكربون.