Author

رسوم وزارة الصحة عن تقرير الإجازات

|
في خبر نشرته عدة صحف دعت فيه وزارة الصحة، المنشآت الصحية إلى عدم تحميل المرضى والمراجعين أي تكاليف أو رسوم إضافية مقابل تقديم الخدمات الإلكترونية مثل التقارير والإجازات المرضية، وأوضحت وزارة الصحة أنها عاقبت جهات فرضت رسوما مقابل تلك الخدمات. أعتقد أن هذا الخبر فيه كثير من الأسئلة التي تستحق المناقشة، فالواضح تماما عدم انضباط المفاهيم الاقتصادية الخاصة بالرسوم والتكاليف عند كثير من الجهات، لنبدأ من هذا الخبر الذي نشرته الصحف عن تكلفة التقارير والإجازات المرضية، فالأصل أن هذه التقارير تمنح للمريض بمجرد تقديم الخدمات الطبية له، فهي نص مكتوب لما تم إجراؤه من فحص ونتيجة ذلك الفحص وما يترتب عليه من علاج وراحة في تقدير الطبيب، فهذا هو المنتج الذي يحصل عليه المريض من زيارته المستشفى، وقد يكون هذا المنتج في شكل شفهي كأن يخبر الطبيب بهذه النتائج شفهيا للمريض، ويكتب له العلاج في نموذج خاص، وقد يطلب المريض هذا المنتج في شكل تقرير، فما دفعه المريض من تكاليف هي ثمن هذا التقرير "شفهيا أو مكتوبا"، ولا يوجد تفسير لدفع المريض تكاليف إضافية للحصول على نتائج زيارته الطبيب مكتوبة في ورقة، وهذا من الاستغلال الذي يجب على الوزارة محاربته وهذا ما فعلته بالضبط، فلها الشكر، لكن لنقف قليلا حول مضمون الخبر، الذي يقول إن وزارة الصحة عاقبت جهات فرضت رسوما مقابل تلك الخدمات، لماذا سميت رسوما؟ ما الرسوم وهل تختلف عن التكلفة؟ لا نستخدم لفظة الرسم إلا في سياق الخدمات العامة التي من المفترض أن تقدم مجانا، ونستخدم كلمة رسم لتجنب استخدام لفظة التكلفة، لأن الرسم قد لا يغطي التكلفة كاملة بل جزءا منها، فالرسم يفرض من قبل جهات سيادية مقابل خدمات عامة من المفترض أنها مجانية، وذلك لتحقيق ترشيد في استخدام هذه الخدمات. ويمكن الإشارة هنا إلى مفهوم مشكلة المشاع Tragedy of the commons، وهي تصرف الأفراد من أجل تعظيم منافعهم الذاتية فقط، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد، وأول من تحدث عن مأساة المشاع كان عالم البيئة جاريت هاردين، الذي يرى جميع البشر أنانيين، فعندما تصبح الخدمات مجانية فإننا نحاول استنزاف أكبر قدر ممكن منها قبل أن يستفيد الآخرون، ما ينتج عنه إفراط في استخدام الموارد المشتركة، للحد من هذا الإفراط يتعين على الأفراد دفع رسوم لاستخدام مورد مشترك، هذه هي الرسوم. لذلك فالهدف من الرسوم هو ترشيد الاستخدام وليس تنمية الموارد، إذا أصبح الهدف من الرسم مقابلة التكاليف التي تم تكبدها في سبيل إنتاج الخدمة، فإن الرسوم تصبح أسعارا، فالسعر هو قيمة المنتج، وقد تتم إضافة الربح إذا كان الهدف من الخدمة زيادة الإيرادات، وذلك في جهات ربحية، أما في القطاع العام إذا زادت الأسعار من التكلفة فإنها تصبح ضريبة غير مباشرة. لهذا يجب فهم العبارات التي تظهر في إعلانات الجهات الحكومية والتعامل معها بدقة لفهم الواقع الاقتصادي ككل، والأسباب التي تقود إلى مثل هذه الظواهر الغربية التي من بينها دفع المريض تكلفة إضافية عن الحصول على نتيجة الفحص، وكيف أن هذه التكلفة لم تكن مضمنة في سعر الخدمة.
عودة إلى الخبر الذي استخدم لفظة الرسم بدلا من السعر أو التكلفة وهل هذا مقصود أم جاء على عواهنه؟ بالعودة إلى موقع الوزارة الإلكتروني نجد أن هناك تعليمات لهذه الخدمة "خدمة الإجازات المرضية"، وعرفها الموقع بأنها خدمة الإصدار الإلكتروني للإجازات المرضية من خلال ربط الجهات ذات العلاقة المتمثلة في وزارة الصحة، ووزارة الداخلية، وهيئة التخصصات، ووزارة الخدمة المدنية. حيث تقوم الخدمة بأتمتة الإجراءات بين هذه الجهات بشكل تكاملي من خلال الربط الإلكتروني، ما يسمح لمقدم الخدمة من الجهات الصحية بإصدار هذه الإجازات ومشاركتها إلكترونيا مع المستفيدين، ويؤكد الموقع أنه تتم مشاركة تقرير الإجازة المرضية إلكترونيا مع وزارة الخدمة المدنية، وأيضا تتم مشاركة تقرير الإجازة المرضية مع المستفيد النهائي وهو الفرد إلكترونيا من خلال رسائل نصية وخاصية الطباعة عن طريق البوابة. هكذا لم يعد الموضوع مجرد نتيجة فحص تم دفع ثمنه، بل لقد أصبح هذا التقرير منتجا مستقلا له أبعاد أخرى، وتحصل المنشآت الصحية على الخدمة بالتسجيل في منصة "صحة" للخدمات الصحية الإلكترونية أو عبر الربط الإلكتروني مع أنظمة المعلوماتية الصحية، هذه الخدمة ليست مجانية بل لها رسوم الخدمة وفقا للباقات ونوع الاشتراك حسب احتياج المنشأة الصحية من القطاع الخاص. هكذا أصبح الوصول إلى الخدمة من قبل القطاع الخاص مكلفا، ولم يعد مجرد نتيجة للفحص المدفوع ثمنه. ولهذا فهم القطاع الخاص أن الحصول على هذه الخدمة يتطلب تغطية تكلفتها. لا أعرف لماذا فرضت الوزارة رسوما على القطاع الخاص مقابل هذه الخدمة؟ هل تسعى إلى الحد من استخدامها "مأساة العموم"؟ هل تسعى إلى تعظيم إيراداتها "فهي أسعار وليست رسوما"؟ هل تسعى إلى تغطية تكاليفها؟ "فما الذي أحوجها إلى الدخول في العلاقة الشائكة بين المريض والطبيب" والتقرير هو نتيجة الفحص.
إنشرها