المبادرات البيئية.. الرسالة سعودية
إن أحد أهداف مبادرة السعودية الخضراء جعل المملكة رائدة عالمية في مجال الاقتصاد الدائري للكربون، حيث تتبنى المملكة فكرة إعادة تدوير الكربون كوسيلة فاعلة ورئيسة في السيطرة على التغيرات المناخية. من المعروف أن الحياة على الكرة الأرضية تقوم على مادة الكربون، فتقريبا 12 في المائة من الذرات المكونة لجسم الإنسان هي ذرات كربون، والكربون موجود في كل كائن حي وغير حي، فهو موجود في الصخور وفي الحياة المائية بجميع أشكالها، والكربون يشكل جزءا كبيرا من الأغذية الكربوهيدراتية التي نتناولها، كالخبز والأرز والخضار والفواكه.
الدورة الطبيعية للكربون تتمثل في أن الكربون ينتقل من مكوناته الطبيعية على الأرض إلى الغلاف الجوي، ومن ثم يعود إلى مكوناته الطبيعية نتيجة عوامل طبيعية متعددة. على سبيل المثال تقوم النباتات من خلال عملية التمثيل الضوئي باستهلاك ذرات الكربون من ثاني أكسيد الكربون في الهواء، وتستخدمها لإنتاج المواد الغذائية النباتية. هذه العمليات الطبيعية تحدث بشكل طبيعي ومستمر، إلا أن النشاطات الصناعية والممارسات الجائرة التي يقوم بها الإنسان تؤثر سلبا في هذه الدورة الطبيعية للكربون.
لذا فإن المبادرات التي تقودها الرياض في مجال الحد من التغيرات المناخية، كمبادرة السعودية الخضراء لزراعة عشرة مليارات شجرة في المملكة، ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر لزراعة 50 مليار شجرة في المنطقة، تهدف في الأساس إلى دعم الدورة الكربونية الطبيعية وتنشيطها، وبالتالي التخفيف من الآثار الخطرة لتنامي الغازات الكربونية في الغلاف الجوي.
السعودية تهتم بقضايا المناخ وتعمل بجدية للإسهام في البرامج العلاجية العالمية الخاصة بالبيئة والمناخ، ذلك على الرغم من المحدودية النسبية للانبعاثات الضارة الناتجة عن النشاطات الصناعية واستخراج الطاقة في المملكة. تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 30 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم سنويا، وأكبر الدول الملوثة هي على التوالي الصين، الولايات المتحدة، الهند، روسيا، اليابان، وألمانيا، وتشكل نسبة الانبعاثات من المملكة نحو 6 في المائة من حجم انبعاثات الصين، على سبيل المثال. كما أن المملكة بادرت برفع كمية الخفض الخاص بها من الانبعاثات الكربونية من 130 مليون طن سنويا إلى 278 مليون طن سنويا، مع العلم أن لكل دولة الحرية في تحديد سقف انبعاثاتها بنفسها، فنسب الخفض هذه ليست إلزامية، بل إنها تأتي انطلاقا من مسؤولية كل دولة ومدى التزامها واهتمامها ببرامج البيئة والمناخ.
المعلوم أن المملكة تستهدف زراعة 450 مليون شجرة في المملكة بحلول 2030، ومن ثم مواصلة الزراعة ليصبح العدد الإجمالي عشرة مليارات شجرة خلال العقود القليلة المقبلة، لكي يسهم ذلك في خفض الانبعاثات الكربونية بأكثر من 200 مليون طن سنويا. في السياق نفسه، تسعى المملكة إلى زيادة مساحات المحميات الطبيعية لتتجاوز 30 في المائة من مساحة المملكة، وتركز في سبيل ذلك على العمل نحو حماية التنوع البيولوجي ورعاية الأنواع البيئية المهددة بالانقراض والإكثار منها.
أما على صعيد الشرق الأوسط، فالمملكة تقود الجهود نحو المشاركة العالمية في الحفاظ على البيئة وتحسين جودة المناخ من خلال عدد من الخطوات الفعلية في المنطقة، لتوحيد الجهود وتقديم الدعم اللازم، تشمل إقامة مراكز إقليمية لتلك الجهود، منها تأسيس منصة تعاونية بهدف تسريع الجهود نحو تحقيق أهداف الاقتصاد الدائري للكربون، وتأسيس مركز معني بتغيرات المناخ ورصد التقلبات المناخية والإنذار المبكر لها، أسوة بما هو مقام في بعض الدول الغربية المتقدمة. كذلك هناك خطوات عملية ستتم لإنشاء مركز خليجي معني بآلية احتجاز الكربون واستخدامه في مناشط صناعية متنوعة، بهدف الحد من انتشار الغازات الكربونية من جهة، ومن جهة أخرى الاستفادة من كميات الكربون المهدرة.
السعودية اليوم تقود مبادرات قوية في مجال البيئة ليس فقط على الصعيد المحلي، بل على المستويين الإقليمي والعالمي، وبهذا فإن جهود المملكة ترفع من حجم مشاركة دول المنطقة في تلك الجهود العالمية النبيلة، لتؤكد للعالم أن دول المنطقة وشعوبها على درجة عالية من الوعي بقضايا البيئة، وأن لديهم الخطط الطموحة للتغلب على التحديات البيئية دون تفريط في مسؤوليات المملكة وواجباتها تجاه سد احتياجات العالم من الطاقة.