Author

المنافسة في قطاع السيارات والتأمين .. مشكلة حوكمة وليست هيئة

|

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات رقمية مختلفة تقريرا عن دراسة للهيئة العامة للمنافسة بعنوان "دراسة هيكل قطاع بيع السيارات وخدمات ما بعد البيع وقطع غيار السيارات وأثر سلوك المنشآت العاملة فيه على المنافسة"، ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد نشرت "الاقتصادية" قبل أيام تقريرا عما أبدته الهيئة العامة للمنافسة من مخاوف من استحواذ ثلاث شركات في قطاع التأمين الصحي على أكثر من 80 في المائة من الحصة السوقية في القطاع، موضحة أن السوق لم تشهد دخول شركات جديدة خلال الأعوام القليلة الماضية، ما يضع المنافسة في القطاع عرضة للصدمات. هذه التقارير والدراسات يمكن تشبيهها "نوعا ما" بمن تقدم له الماء ليشرب منه، فإذا هو يذهب به إلى المختبر ليعود ويقول لك إنه فعلا ماء، لأنه يحتوي على مركبي الهيدروجين والأكسجين. فلا أحد يجهل الممارسات الاحتكارية في سوق قطاع السيارات والتأمين الصحي والدواء، وكلنا نعاني هذا بطريقة أو بأخرى، والحديث عن ارتفاع هوامش الربح قد ملأ مواقع التواصل الاجتماعي، بأدلة لا يصل إليها الشك، لذلك فإن الدراسة التي قامت بها الهيئة وأعلنت نتائجها تأتي علينا من باب تأكيد المؤكد، وتعريف المعروف، وليست دراسات الهيئة من قبيل أن "تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي"، ذلك أن أثر التأخر في حسم هذه القضايا سيصل إلى هياكل الأسواق والاقتصاد وتصبح المعالجة أكثر إيلاما "كمثل تسوس الأسنان تماما"، وهذا ما تراهن عليه الشركات، فهي تسعى للوصول إلى مرحلة تصبح أي معالجة مؤلمة اقتصادية أو مكلفة إلى حد بعيد أو خارج نطاق النظام الساري.
نظام المنافسة في مادته الخامسة حظر الممارسات التي تخل بالمنافسة وقدم لها أمثلة، منها تحديد أسعار السلع وشروط البيع أو الشراء أو تحديد أحجام أو أوزان أو كميات إنتاج السلع أو أداء الخدمات، وكذلك الحد من حرية تدفق السلع أو إخراجها أو إخفائها، أو تخزينها دون وجه حق، أو الامتناع عن التعامل فيها، وتقسيم الأسواق لبيع السلع والخدمات أو شرائها، أو تخصيصها وفقا لأي معيار، والتواطؤ أو التنسيق في العطاءات أو العروض في المزايدات والمنافسات الحكومية أو غيرها بما يخل بالمنافسة. في مقابل هذه المادة شديدة الوضوح جاءت نتائج دراسة الهيئة عن وضع قطاع السيارات في أن هناك "أولا" اتفاقيات التوزيع الحصرية المبرمة بين مصنعي المعدات الأصلية وشركاء التوزيع المحليين. "ثانيا" يمتلك الموزعون عدة علامات تجارية متنافسة ما يوجد احتمالية لزيادة القوة السوقية في أسعار البيع بالتجزئة أو أسعار مبيعات أسطول السيارات، حيث قد يدعي الموزعون أن كل علامة تجارية يمثلونها تعد منفصلة تماما عن العلامات التجارية الأخرى، ما يسمح بتحقيق قوة سوقية أعلى للموزع نفسه. "ثالثا" التلاعب بعطاءات أسطول السيارات الذي قد ينتج عنه تأثير سلبي في ظروف المنافسة، حيث إن معظم مبيعات الأسطول تفتقر إلى الشفافية عندما يتم الاتفاق على عدد كبير من المبيعات قبل الإطلاق الرسمي لعمليات المناقصات. وقد أشار خبراء السوق إلى عدم وضوح عملية التقييم والترسية للمناقصات، ما يؤدي إلى تقييد المنافسة. "رابعا" وجود مؤشرات على احتمال إساءة استغلال الوضع المهيمن من قبل مصنعي المعدات الأصلية أو الموزعين من خلال إلغاء ضمان السيارات عندما يتم إصلاحها لدى ورش الإصلاح المستقلة. "خامسا" تقييد توريد قطع الغيار لمنافسي الموزعين المعتمدين لدى الشركات المصنعة للمعدات الأصلية أو توريدها بأسعار مرتفعة، إضافة إلى حجب المعلومات الخاصة بالإصلاح. وبناء على ذلك، فإنه يظهر لي صعوبة تطبيق المادة "الخامسة" على هذه النتائج رغم أن القطاع بأكمله يؤكد وجود حقيقة الإخلال بالمنافسة، لهذا فإن معالجة هذا كله هو خارج نطاق صلاحيات الهيئة تماما، خاصة النتيجة التي تؤكد وجود بعض اللوائح التي توجد حواجز للمنافسة في السوق، كالتي تحتوي على إجراءات تضيف قيودا معينة على توريد قطع غيار السيارات التي تحمل علامة الشركة المصنعة، بحيث لا يجوز للموردين إلا الاستيراد من الشركات المصنعة للمعدات الأصلية أو موزعيهم فقط، ما يقلل من عدد الموردين المحتملين، كما لا يجوز للموردين الجمع بين نشاط توريد قطع الغيار الأصلية وتوريد قطع الغيار البديلة.
المشكلة لدينا دائما تظهر في النصوص القانونية التي تهرب من تعريف المفاهيم الاقتصادية التي تستند إليها، فمثلا نظام المنافسة لم يعرف ما المنافسة أولا، ولم يعرف ماذا يعني الإخلال بها، وبدلا من ذلك قدم أمثلة عملية، ولهذا فإن التقاضي يصبح مستندا إلى الأمثلة لا على المفهوم، بمعنى أن الهيئة إذا رغبت في رفع قضايا ضد الإخلال بالمنافسة، فإن عليها تقديم أدلة على مخالفة نصوص النظام وليس المفهوم الاقتصادي للمنافسة، ونصوص النظام لا تغطي كل الحالات، بل بعض الحالات خارج نظام المنافسة الحالي. أضف إلى ذلك أن النظام لم يتضمن إجراءات تحرير السوق من الوضع المهيمن، بل فقط غرامات على استغلاله، وهنا مشكلة حوكمة اقتصادية، فلو أن النظام نص على محكمة متخصصة أو لجنة اقتصادية عليا للمنافسة لها صلاحيات اقتصادية ضخمة جدا تسمح لها بإجبار تحويل أي شركة إلى مساهمة عامة تباع في سوق الأسهم وإجبارها على تفتيت المجموعة إذا ثبت لها وجود ممارسات تخل بالمنافسة "كمفهوم"، ويحق لها فرض شروط على الموردين الأصليين وفك الاتفاقيات الحصرية، وهذا مثل ما حدث في الولايات المتحدة ضد شركة مايكروسوفت وكاد أن يحدث ضد "فيسبوك"، لو حدث هذا فإن حالة السوق تتغير وبسرعة كبيرة لتحقيق مفهوم المنافسة في علم الاقتصاد التي يحاول كل بائع من خلالها تقديم منتجات أفضل وأسعار أقل ومزايا أخرى لاختيار بضاعتهم على المنتجات المنافسة.

إنشرها