تقارير و تحليلات

أوروبا أمام خيارين في سباق السيادة التكنولوجية .. مهددة بفقدان 4 تريليونات يورو سنويا

أوروبا أمام خيارين في سباق السيادة التكنولوجية .. مهددة بفقدان 4 تريليونات يورو سنويا

أوروبا أمام خيارين في سباق السيادة التكنولوجية .. مهددة بفقدان 4 تريليونات يورو سنويا

يبدو الانطباع الأولي بالنسبة لكثير أن حرب التكنولوجيا في العالم ليست أكثر من صراع يدور رحاه بين الولايات المتحدة من جانب والصين من جانب آخر.
بينما يبدو الأوروبيون، وكأنهم يقعون على هامش الصراع، وفي أفضل تقدير في المرتبة الثالثة، ولا يعدون جوهر تلك الحرب التكنولوجية بأي حال من الأحوال.
هذا الاعتقاد أو الانطباع تجلى في مقال شهير نشرته مجلة Foreign Policy الأمريكية ذائعة الانتشار في كانون الثاني (يناير) عام 2020 تحت عنوان "لا يمكن لأوروبا أن تربح حرب التكنولوجيا التي بدأت للتو" كان جوهر المقال أنه في سباق السيادة التكنولوجية وهيمنة الذكاء الصناعي لا توجد ميدالية برونزية، فالصراع يدور حول ميداليتين فقط "الذهبية أو الفضية".
أما الميدالية البرونزية فلا توجد، وإن وجدت فلا معنى لها، ويخلص المقال إلى أن أوروبا عليها أن تختار بين الذهب أو الفضة وإلا فلن يكون من نصيبها سوى الغبار.
وفي الواقع، فإن كثيرا من الخبراء لا يزالون عند قناعتهم بأن هذا الوضع قائما حتى الآن في أوروبا، وأن النخب الأوروبية تستخدم كلمات طنانة في مجال التكنولوجيا مثل "السيادة الرقمية" دون أن يكون هناك ترجمة فعلية لذلك على أرض الواقع، أو أن ما يحققه الأوروبيون لا يتناسب مع هذا الطموح الكبير الكامن في مصطلح السيادة الرقمية، وأن الأوروبيين لديهم توق نفسي للاستقلال التكنولوجي عن الولايات المتحدة، لكنه ليس أكثر من كونه حالة نفسية، وليس واقعا معاشا على الأرض، وهو ما يظهر من وجهة نظر هؤلاء الخبراء في المطاردة الدؤوبة من قبل المسؤولين في الاتحاد الأوروبي لكبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية، سواء بتوجيه الاتهامات لها بالمخالفات السلوكية، كما فعلت مع جوجل أو التهرب الضريبي، كما اتهمت شركة أبل.
من جهته، يقول لـ"الاقتصادية" البروفيسور دان لي، رئيس قسم الأبحاث التكنولوجية في جامعة أكسفورد، "نظرا لحجم أوروبا وقوتها الاقتصادية، فإن قصتها مع التكنولوجيا قصة ذات إمكانات غير محققة، لطالما كانت لدينا المواهب والقدرة المالية مع هذا لم تقم أوروبا بعمل جيد للاحتفاظ بالمواهب أو التنسيق بين المواهب والاستثمار، والسؤال المطروح الآن هل يمكن في ظل الخلفية الحالية للظروف الاقتصادية المضطربة، وعدم اليقين في الاقتصاد العالمي، والمخاوف والقلق لدى المستثمرين، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هل يمكن في ظل تلك الظروف أن يتمكن الأوروبيون من إظهار المرونة الكافية والاستمرار لسد الفجوة مع وادي السليكون الأمريكي أو منافسة التنين الصيني".
بين ثنايا تلك الرؤية إقرار بأن الثقافة الاستثمارية لدى الأوروبيين في مجال التكنولوجيا كانت أكثر تحفظا من منافسيها، وأن استثماراتها في مجال التكنولوجيا تسير بخطوات صغيرة في سباق الميداليتين الذهبية والفضية، ففي الولايات المتحدة هناك مزيد من الاستعداد للمغامرة، وإيجاد مزيد من الفرص للشركات الناشئة، حتى من يفشلون، فإن المنظومة الاقتصادية مصممة بطريقة تساعدهم على العودة مجددا بعد أن يكونوا تعلموا من أخطائهم.
تاريخيا، تم تشكيل أوروبا الحديثة في أوقات الأزمات، فالاتحاد الأوروبي كان رد فعل على ويلات الحرب العالمية الثانية، وكان سقوط جدار برلين بمنزلة فرصة سانحة لاقتصادات شرق ووسط أوروبا، التي التحقت بالاتحاد الأوروبي للارتباط بالاقتصاد العالمي.
أما الأزمة المالية لعام 2008 وأزمة منطقة اليورو فقد أسفرتا عن مزيد من التعاون المالي بين الدول الأوروبية، ومزيد من الصلاحيات للبنك المركزي الأوروبي، وجاءت جائحة كورونا لتدفع الأوروبيين لمستوى أعلى من التنسيق المالي من خلال صندوق الاتحاد الأوروبي للأجيال المقبلة.
وأخيرا الحرب الأوكرانية التي كشفت المستور لدى الأوروبيين في الطاقة والدفاع، ووعيا متزايدا بأن التفوق التكنولوجي محوري في الصراعات المقبلة، وإذا لم تلحق أوروبا بالقطبين الأمريكي والصيني، فإنها ستكون معرضة للخطر في جميع القطاعات المتعلقة بالنمو والمنافسة.
يقول لـ"الاقتصادية" نيلسون كارب الباحث الاقتصادي، "على الرغم من أن أوروبا لديها عديد من الشركات عالية الأداء، إلا أن أداء الشركات الأوروبية بشكل إجمالي ضعيف مقارنة بتلك الموجودة في المناطق الرئيسة الأخرى، فهي تنمو بشكل أبطأ وتوجد عوائد أقل وتستثمر أقل في البحث والتطوير من نظرائها في الولايات المتحدة".
وتشير بعض الدراسات إلى أنه بين عامي 2014 و2019 كانت الشركات الأوروبية الكبيرة في مجال التكنولوجيا أقل ربحية بنسبة 20 في المائة، مقارنة بنظيرتها الأمريكية على سبيل المثال ونمت إيراداتها 40 في المائة بشكل أبطأ، واستثمرت أقل بـ8 في المائة، وأنفقت أقل بـ40 في المائة على البحث والتطوير.
ومن بين عشر التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والسحابية تتصدر أوروبا اثنتين فقط، ففي الحوسبة الكمية 50 في المائة من أكبر عشر شركات تكنولوجية تستثمر في هذا التكنولوجيا موجودة في الولايات المتحدة و40 في المائة في الصين، ولا شيء في الاتحاد الأوروبي.
في إنترنت الجيل الخامس وهي عنصر أساسي في مستقبل الاتصالات تستحوذ الصين على ما يقرب من 60 في المائة من الاستثمارات في هذا القطاع والولايات المتحدة 27 في المائة وأوروبا 11 في المائة فقط، بينما في الذكاء الاصطناعي استحوذت الولايات المتحدة على 40 في المائة من الاستثمارات خلال الفترة من 2015 و2020 فيما حصلت أوروبا على 12 في المائة، أما قارة آسيا بما فيها الصين فتسيطر على حصة 32 في المائة، وفي مجال التكنولوجيا الحيوية بين عامي 2018 و2020 أنفقت الولايات المتحدة 260 مليار دولار وأوروبا 42 مليار دولار والصين 19 مليار دولار.
من ناحيتها، تقول لـ"الاقتصادية" الدكتورة إيرن هيفين من معهد دراسات الطاقة المتجددة، "في مجال تكنولوجيا الطاقة النظيفة، تعد أوروبا أكثر طموحا من معظم المناطق الأخرى، فيما يتعلق بأهداف الحد من انبعاثات الكربون بحلول 2030، لكنها تفقد قوتها في الموجة التالية من تكنولوجيا الطاقة النظيفة، فالشركات الأوروبية تمتلك براءات اختراع في مجال التكنولوجيا النظيفة بنسبة 38 في المائة أكثر من الشركات في الولايات المتحدة، وأكثر من ضعف العدد في الصين، مع ذلك، فإن آفاق أوروبا في الريادة في مجال التكنولوجيا النظيفة آخذة في التلاشي، بينما تقود الصين إنتاج التكنولوجيا النظيفة في جميع المجالات تقريبا، وغالبا بحصة سوقية تزيد على 50 في المائة، بينما تتصدر الولايات المتحدة معظم التقنيات المتقدمة".
ويقدر بعض الخبراء بأنه إذا لم تستطع أوروبا تحسين قدرتها التكنولوجيا، فقد تفوت شركتها التكنولوجية فرصة ذات قيمة مضافة تراوح من 2 إلى أربعة تريليونات يورو سنويا بحلول 2040، بما تعنيه تلك القيمة من أجور أعلى ومزيد من الاستثمارات المستدامة. وهذه القيمة المعرضة للخطر تعادل بين 30 و70 في المائة من نمو الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا بين عامي 2014 و2040، وما يعادل ستة أضعاف الأموال اللازمة للانتقال إلى انبعاثات كربون صفرية.
مع هذا يرى الدكتور سكوت مانديلسون أستاذ الاقتصاد الأوروبي في جامعة ويستفورد أنه من السابق لأوانه القول إن أوروبا همشت في سباق التكنولوجيا العالمية، فلا تزال تتمتع بعديد من نقاط القوة التي تؤهلها إلى المنافسة الشرسة وحيازة إحدى الميداليتين الذهبية أو الفضية.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أن أنظمة التعليم العالية الجودة في أوروبا تنتج مواهب رائدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إضافة إلى بعض الأنشطة الاقتصادية الأكثر إنتاجية على المستوى الدولي، وهذا يؤهل أوروبا إلى دور متقدم في سباق التكنولوجيا.
مع هذا، فإن هناك حاجة أوروبية ماسة إلى العمل على تبني سياسة أكثر هجومية من أجل تغيير القدرات التكنولوجية والبيئة التنافسية وطرح رؤية متكاملة لتغيير قواعد اللعبة لمصلحة الشركات الأوروبية لجذب التمويل على نطاق أوسع، على أن تهدف الشركات الأوروبية إلى ما هو أبعد من أعمالها الحالية، وأن تضع رؤية للقيادة العالمية خلال فترة تراوح من عشرة إلى عشرين عاما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات