تقارير و تحليلات

مسار ياباني لتعزيز الأمن الاقتصادي .. هل يحمي أسرار التكنولوجيا من التنين الصيني؟

مسار ياباني لتعزيز الأمن الاقتصادي .. هل يحمي أسرار التكنولوجيا من التنين الصيني؟

مسار ياباني لتعزيز الأمن الاقتصادي .. هل يحمي أسرار التكنولوجيا من التنين الصيني؟

قبل أيام قليلة، مرر البرلمان الياباني مشروع قانون لحماية الأمن الاقتصادي للبلاد، يهدف إلى حماية الأسرار والقدرات التكنولوجية اليابانية، وتعزيز سلاسل التوريد الحيوية، وفرض رقابة أكثر صرامة على الشركات اليابانية العاملة في قطاعات حساسة أو بنية تحتية حيوية.
وكانت التوترات الجيوسياسية في الأعوام الأخيرة دفعت اليابان إلى إصدار القانون الجديد، إذ أعاقت تلك التوترات الشركات اليابانية عن القيام بنشاطاتها التجارية والاقتصادية بطريقة مربحة، ما دفع الحكومة اليابانية وكذلك القطاع الخاص إلى تعزيز المبادرات المتعلقة بالأمن الاقتصادي.
شركة ميتسوبيشي إليكتريك كانت واحدة من الشركات اليابانية الكبرى التي أسرعت بإنشاء قسم يحمل اسم "الأمن الاقتصادي"، إذ تعتقد إدارة الشركة التي تتخذ من طوكيو مقرا لها، وتدير أعمالا تركز على مجالات تراوح من أشباه الموصلات والأجهزة المنزلية إلى تكنولوجيا الطاقة والفضاء، أن ترك إدارة المخاطر لكل قسم أصبح غير فعال في ظل التحديات المتعلقة بالأمن الاقتصادي.
ويعتقد مجلس إدارة شركة ميتسوبيشي أنه قبل صعود الحمائية التجارية وتفاقم التوترات الجيوسياسية دوليا، استندت الشركات إلى حد كبير في قراراتها إلى الانحياز إلى الأنشطة الأكثر ربحية عبر حسابات التكلفة والعائد، لكن الأحداث السياسية مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأعوام الأربعة التي قضاها الرئيس ترمب في سدة السلطة، أظهرت مدى هشاشة بيئة الأعمال الدولية.
علاوة على ذلك، فإن المطالب المجتمعية بأن تعطي الشركات قيمة أكبر للنمو المستدام، أدى إلى ادخال عوامل أخرى في اتخاذها القرار التجاري وليست فقط حسابات التكلفة والعائد.
وفي الواقع، فإن شركة ميتسوبيشي إليكتريك ليست استثناء عندما يتعلق الأمر بإدارة تأثيرات النظام العالمي المتغير، فالشركة عالقة في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، حيث كانت موردا للرقائق لشركة "تقنيات هواوي" الصينية، واضطرت شركة ميتسوبيشي إليكتريك إلى تعليق أعمالها مع شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة هواوي بعد أن شددت الحكومة الأمريكية العقوبات عليها 2019.
وقالت لـ "الاقتصادية" الدكتورة ويندي لينك أستاذة الاقتصاد الآسيوي في جامعة لندن، "إنه رغم إقرار قادة الشركات اليابانية بأن تعزيز الأمن الاقتصادي مهمة ملحة، إلا أنهم أعربوا عن مخاوفهم من أنه سيتعين عليهم تحمل أعباء مالية إضافية، كما أن العقوبات التي ستفرض على شركاتهم من قبل الحكومة في حالة عدم الامتثال لتلك التعليمات تمثل ضغطا ماليا على الإيرادات ومعدلات الأرباح".
وأضافت "رغم أن شركة ميتسوبيشي وطبيعة التدابير التي اتخذتها لا تعد استثناء من بين الشركات اليابانية، لكن قرارها بتعزيز الأمن الاقتصادي له أهمية خاصة نظرا إلى المكانة الكبيرة التي تحظى بها بين الشركات اليابانية".
وتعود أصول شركة ميتسوبيشي إلى 1870، عندما بدأ المؤسس ياتار إيواساكي شركة شحن بثلاث بواخر قديمة، وقام يوتار وأخوه وابنه بالتناوب على رئاسة الشركة ونجحوا في توسيع أعمالها لتشمل مجالات مختلفة واضعين بذلك اللبنات الأساسية لهذا الصرح الاقتصادي العملاق.
وعبر التاريخ الطويل للشركة لعبت العلاقات الخاصة بينها وبين الحكومة اليابانية دورا رئيسا في تطورها وتعزيز مكانتها الاقتصادية، فبموجب عقد حصري من الحكومة قامت سفن الشركة بنقل القوات اليابانية إلى تايوان عام 1874، ولاحقا إلى ساتسوما للتصدي لتمرد وقع هناك عام 1877، وكان ذلك كفيلا بأن تكتسب شركة ميتسوبيشي ثقة الحكومة، وعززت المكافآت المالية التي نالتها من قدرتها في مواجهة منافسيها، حيث امتلكت في ذلك الوقت 61 سفينة أو 73 في المائة من الحمولة الإجمالية لأسطول السفن البخارية في اليابان، كما بات بمقدورها الانتقال إلى أنشطة تجارية أخرى، ما أضاف على أدائها التنوع والقدرة المالية.
بدوره قال لـ "الاقتصادية" أيه. تومي الباحث في مجال الأمن السيبراني، "براعة الصين المتزايدة في مجال التكنولوجيا العالية واحدة من الأسباب التي تدفع الحكومة اليابانية إلى تعزيز إجراءات الأمن الاقتصادي، وكذلك شركة بحجم ميتسوبيشي بات الأمن الاقتصادي هاجسا كبيرا بالنسبة لها، فالصعود الصيني كثف من المنافسة العالمية، وأحدث تغيرات سريعة في البنية الأمنية، وتفاقمت المخاطر نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية، ما تطلب تدابير أقوى لمنع تسريب التقنيات الحساسة" .
ويستدرك قائلا، الأمن الاقتصادي ونتيجة التحديات الناجمة عن أزمة سلاسل التوريد بسبب جائحة كورونا وتفاقمها مع الحرب يؤكد أن المسار الذي تتخذه اليابان وشركة بحجم ميتسوبيشي بتعزيز الأمن الاقتصادي سيكون اتجاها عالميا لدى الشركات العملاقة في الفترة المقبلة. من جانبه أوضح لـ "الاقتصادية" سيمون تراس الباحث في تاريخ اليابان، أن "ميتسوبيشي إحدى أيقونات الاقتصاد الياباني، سواء تعلق الأمر بالماضي أو الحاضر، ودائما ما كانت علاقتها مع الحكومة اليابانية شديدة الأهمية، إلى الحد الذي دفع بالحكومة قبل الحرب العالمية الأولى إلى تعيين يانوسوكي إيواساكي الأخ الشقيق لمؤسس ميتسوبيشي الذي تولى إدارة الشركة بعد أخيه، تعيينه محافظا لبنك اليابان بعد أن تخلى عن إدارة الشركة لابن أخيه هيسايا".
وأضاف "نظرا لأن هيسايا تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، فإن ذلك كان له تأثير كبير في منطقه الإداري، إذ أدخل نظاما إداريا يشبه إلى حد كبير النظم التشغيلية السائدة اليوم".
ويستدرك قائلا "لكن اللحظة المفصلية لشركة ميتسوبيشي كجميع الشركات اليابانية الكبرى كانت بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، عندما تعرضت لمزيد من الصعوبات الاقتصادية، وأمرت قيادة الحلفاء بحل جميع التكتلات الصناعية في البلاد باعتبار أن تحالف الجيش مع الشركات الصناعية الكبرى كان سببا في دخول اليابان الحرب".
وأضاف "رغم أن كوياتا إيواساكي الرئيس الرابع للشركة أكد للحلفاء أن ميتسوبيشي كانت صديقة لعديد من شركاء الأعمال حول العالم، ولم تشارك مطلقا في ممارسات تجارية مشينة، فإن تلك الإيضاحات لم تحل دون أن يقع عليها عقاب الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية" .
عقاب الحلفاء أنهى كثيرا من السلطة والقوى التي امتلكتها ميتسوبيشي في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ووصل العقاب إلى حد حل الشركة ومنع استخدام الاسم التجاري أو شعار شركة ميتسوبيشي، لكن لاحقا ألغي هذا الحظر واستعادت الشركة اسمها وأعيد تأسيسها من جديد، لكن ميتسوبيشي الجديدة حافظت على أحد أحجار الزاوية في منطق عملها منذ لحظة تأسيسها، ألا وهو الحفاظ على علاقة خاصة مع الحكومة اليابانية مهما كانت قسوة الطقس.
وبالفعل، فبعد إعصار إيسوان أواخر عام 1959 وما أسفر عنه من ضحايا وخسائر، تلقت شركة ميتسوبيشي أمرا حكوميا بإطلاق حقبة جديدة من أنظمة مراقبة الأرصاد الجوية.
وخلال الخمسينيات والستينيات والنمو السريع للاقتصاد الياباني الذي يعود إلى حد كبير إلى النمو المذهل في تصنيع المنتجات الاستهلاكية وتوسيع الأسواق الاستهلاكية، لعبت ميتسوبيشي دورا رئيسا خاصة عبر تعزيز النزعة الاستهلاكية لليابانيين باستخدام بطاقات الائتمان.
ويرى الدكتور إم. جي آرثر أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة جلاسكو، أن نجاح شركة ميتسوبيشي يقوم على مجموعة من النقاط الأساسية، أبرزها الحفاظ على هوية مؤسسية رغم ما مرت به من صعوبات بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الهوية المؤسسية ترتبط بوجود مسؤولية لدى الشركة تجاه المجتمع، كما أن الشركة لديها مفهوم قائم على نهج بطيء للنمو، لكنه نمو ثابت".
وأشار إلى أن "ذلك يتضح من أن الشركة بعد الفقاعة الاقتصادية في اليابان خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات خرجت سليمة نسبيا مع وجود عدد قليل من الديون المعدومة لديها، بل إن الشركة تجاوزت الآن التصنيع التقليدي إلى مجالات جديدة مثل مركبات الفضاء وغيرها من المجالات ذات التكنولوجية المتطورة".
ويقدر عدد العاملين في شركة ميتسوبيشي بنحو 83 ألف موظف تقريبا، وبينما تعد واحدة من أكبر عشر شركات يابانية، فإنها تحتل المرتبة رقم 112 في الترتيب العالمي للشركات، وبينما تجاوزت أرباحها العام الماضي ثلاثة مليارات دولار، فإن إجمالي أصولها نحو 180 مليار دولار.
هذا الوضع الاقتصادي والتقني الذي تتمتع به ميتسوبيشي يلقي عليها عبئا كبيرا عندما يتعلق الأمر بالأمن الاقتصادي، ما دفع مسؤول العلاقات العامة في الشركة إلى التصريح لوسائل إعلام يابانية "بأن سياسات الأمن الاقتصادي في جميع أنحاء العالم مثل مراقبة الصادرات والأمن السيبراني تتغير بسرعة، وتحاول كل دولة تعزيز الضمانات، ومن الممكن أن نواجه مخاطر مرتبطة بالأمن الاقتصادي، حيث نهدف إلى توسيع أعمالنا العالمية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات