Author

بناء ثقافة الحد من الإسراف وحفظ النعمة

|
في الوقت الذي تعيش فيه المملكة أزهى عصورها من جوانب كثيرة، ووفرة - بحمد الله - في كل أسباب العيش والرفاهية في زمان لم يشهد منذ قرون، كانت هذه الصحراء صعبة المراس لا يستطيع العيش فيها إلا من كان الصبر والقوة والقناعة هي صفاته، لصعوبة ظروف الحياة، وبعدها أكرمنا الله بعهد زاهر رأى الناس فيه الخيرات تتدفق عليهم من كل مكان، وأصبحت أسواقنا في المملكة تصلها سلع قد لا يتمتع بها سكان الدول التي تنتجها، وأصبحت هذه البلاد المباركة اليوم رقما صعبا في الاقتصاد العالمي باعتبارها الدولة الأولى في الطاقة، وضمن قائمة أقوى 20 اقتصادا في العالم، كما أن بشائر الخير تتوالى بتوقعات لنمو الاقتصاد بأكثر من 7 في المائة، هذه التحولات والخير الذي نعيشه يكتمل بتقدير هذه النعمة، وحمد الله على ما من به علينا من أشكال وأصناف النعم التي لم يشهدها أجدادنا.
في مبادرة رائعة، دشن المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة، والأستاذ ماجد بن عبدالله الحقيل، وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان، المؤسسة الأهلية لحفظ النعمة، التي تعمل على الحد من الهدر الغذائي في مختلف مناطق المملكة. وذكر وزير الشؤون البلدية والقروية، "أن الهدر الغذائي ورمي كميات كبيرة من الغذاء في النفايات له تأثير سلبي في الأمن الغذائي، كما يؤثر في اقتصادات الدول وميزانياتها، كاشفا عن بلوغ حجم الهدر في المملكة نحو 40 مليار ريال، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة معالجته بطرق عدة، أهمها تفعيل دور القطاع الثالث المختص بالاستفادة من هذا الهدر بشكل إيجابي".
الحقيقة أن اهتمام وزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة البيئة، وجهود مشكورة من وزارة الموارد البشرية والشؤون الاجتماعية والمركز الوطني لكفاءة الطاقة وغيرها من المؤسسات الحكومية والقطاع الثالث في المملكة، تذكر فتشكر، إلا أن مسألة كيفية الانتفاع بالهدر الذي يتم تحويله إلى جهات يمكن أن تنتفع به يعد مسكنا، أو في أقصى تقدير، مداواة جزئية لمرض لا وقاية منه، حيث إن الوقاية هي الخطوة التي من المهم البدء بها كي لا نصل إلى هذه الحالة من الهدر، حيث يتم ذلك من خلال الحد من الممارسات التي تؤدي إلى الهدر الذي أصبح عبئا على الاقتصاد الوطني، وقد يؤثر في فرص حصول شريحة ذوي الدخل الأقل في المجتمع على احتياجاتهم بأسعار مناسبة، إضافة إلى احتمالات ارتفاع في الأسعار لأسباب محلية والتكلفة الباهظة على الدولة من خلال دعم السلع الأساسية لتثبت أسعارها، وهذا يحد من الانتفاع بهذا الدعم في مشاريع تنموية تخدم المجتمع، إضافة إلى أن الهدر والمبالغة في استخدام ما أنعم الله به علينا قد يكون له أثره السلبي في البيئة وتأثرها، ما يؤثر في جودة الحياة والصحة العامة في المجتمع.
من المهم بناء ثقافة الحد من المبالغة في الاستهلاك في المجتمع وأن يكون ذلك في كل شيء في حياتنا، ويكون ذلك من خلال برنامج توعوي يبدأ من التعليم والبرامج التطوعية والخيرية حيث تكون ثقافة سائدة في المجتمع، ويكون ذلك وفق مفهوم شامل لمعنى الهدر وكيف يمكن لنا أن نحد في المجتمع من الهدر، ويكون هناك تعريف واضح يضع حدا للفرق بين الإسراف والكرم، أو تنعم الفرد بما لديه من مال. ولعل من الأمثلة على ذلك الولائم في المناسبات، حيث لا إشكال فيما يتعلق بالتكلفة التي يمكن أن يتكلفها الفرد في إعداد الوليمة واختيار أصناف الأطعمة التي يمكن أن تكون أسعارها عالية، لكن الإشكال في ألا يتم استهلاكها من قبل المدعوين، وحتى لا يشعر البعض بالذنب يلجأ إلى بعض الجمعيات الخيرية لأخذ المتبقي من الطعام وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين الذين يرى أنهم بحاجة إلى الإحسان، وهذا، وإن كان عملا جيدا وخيارا متاحا، إلا أنه مقارنة بتقديم المال أو الصدقة بمواد غذائية يستخدمونها متى ما أرادوا وفق احتياجهم، أفضل بكثير.
المفهوم الشامل للهدر لا يقتصر على الطعام، بل على كل أشكال الاستهلاك، فعلى سبيل المثال، استهلاك وهدر الماء قد يكون أخطر من الطعام، كما الهدر الذي يحصل في استهلاك الطاقة يعد إسرافا، والإكثار من اقتناء الملابس والأثاث وتغييرها بشكل مستمر دون حاجة يعد شكلا من أشكال الهدر، إذ إن إتلافها مكلف على الجهات التي تتحمل ذلك.
الخلاصة: الإسراف والهدر مفهوم شامل لكل ما يدخل في الاستهلاك البشري، ولا يقتصر على الطعام، وإذا كان المجتمع يهدر نحو 40 مليار ريال، فإن الهدر لأشكال الاستهلاك الأخرى أضعاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية بناء ثقافة الحد من الإسراف، وفي حال وجود بعض الهدر، الذي قد يصعب تحاشيه، يأتي هنا دور المؤسسات الاجتماعية في تعظيم الانتفاع به.
إنشرها