Author

ترويج النظرية العنصرية النقدية

|
يمر الغرب بمخاض عسير فيه يجري إماطة اللثام عن الماضي خصوصا الاستعماري والسلطوي منه. ويبدو أن لا نهاية لمطالب اليسار والليبراليين ليس فقط في إزالة ما يرونه رموزا للاستبداد، بل وصل الأمر ببعضهم إلى مراقبة الخطاب لإلقاء الضوء على ما قد يضمره من عنصرية مستترة.
ستبقى الأعوام القليلة الماضية في حياة الغرب من أكثر الفترات تأثيرا في مساره الحضاري المبني على العلم والمعرفة وإعمال العقل واتخاذ المنطق نبراسا بدلا من نصوص ومؤسسات كانت إلى فترة قصيرة تقول إنها تستقي سلطتها من السماء.
شهدنا في هذه الأعوام تظاهرات كبيرة جرى فيها تنكيس وأحيانا تخريب وهدم لكثير من الرموز والأنصاب، لأن قراءة جديدة للتاريخ أثبتت أن الذين تمثلهم بنوا ثروتهم وشهرتهم ومكانتهم على عذابات المستضعفين من الناس ولا سيما إبان عهود العبودية والعنصرية.
وشهدنا أيضا تفشي جائحة أقعدت الدنيا، بيد أن تأثيرها كان محسوسا جدا في الغرب، أولا لشفافية انسياب المعلومات، وثانيا لجرأة الصحافة الاستقصائية التي تقريبا لم تبق زاوية ولا حجرا إلا وكشفت النقاب عنه.
وفي خضم هذه الأحداث وتأكيدا لدور العلم والمعرفة في حياة المجتمعات الغربية، شع نور الجامعات وأساتذتها وصار لهم مكانة وتأثير فاق التوقعات. وهنا أخص أساتذة العلوم الاجتماعية حيث ترك الباحثون أبراجهم الأكاديمية العاجية واتخذوا الممارسة والتأثير في الحياة العامة منهجا.
قلما كان للنظريات الأكاديمية في حقل العلوم الاجتماعية تأثير مثل ما نلاحظه حاليا في المجتمعات الغربية فائقة التطور. تحدثنا سابقا كيف أن "النظرية العنصرية النقدية" التي ظهرت للعيان في الثمانينيات من القرن المنصرم صارت حديث الصحافة ودخلت دهاليز السياسة وطرقت باب البيت الأبيض حيث صارت بعبعا يخشاها اليمين المحافظ في الولايات المتحدة.
ووصل الأمر إلى الدعوة لإلغاء الكتب المدرسية التي تروج لها ووقف تمويل أي عالم أو أكاديمي يتبناها في أبحاثه. وتطرق إلى خطورتها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وهاجمها بشدة ولا يزال المحافظون في الولايات التي تقع تحت حكمهم. ورغم السطوة الهائلة التي يسبح في فضائها اليمين المحافظ في أمريكا على أغلب المستويات من سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وإعلامية ودينية، كانت الغلبة - حتى الآن في أقل تقدير - للأروقة الجامعية والنظريات النقدية التي تتبناها لتعرية العنصرية بشتى أشكالها.
لم يفلح اليمين المحافظ في الحد من مد "النظرية العنصرية النقدية"، بل صارت مواقفه المعادية لها وبالا، حيث نلحظ تشبثا كبيرا بمفاهيمها وأساليبها النقدية مع موازاة الهجوم عليها.
وصارت اليوم خدمة المجتمع هدفا أكاديميا في اختصاصات العلوم الاجتماعية التي كانت في الأغلب تعيش لنفسها مع نفسها.
يسعى العلماء إلى وضع النظريات الاجتماعية النقدية التي في حوزتهم في تصرف الناس لتوعيتهم وتقديم مزيد من المعلومات لهم حول الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه لتمكينهم ليس فقط من نقده بل اتخاذ إجراءات لإصلاحه وتحسينه وكشف عوراته.
واليوم أصبحت للأبحاث التي تتخذ من الممارسة praxis منهجا مكانة كبيرة في الأروقة الجامعية وأصبحنا نتحدث ونثمن الأبحاث التي تربط النظرية بالممارسة اليومية للناس. وإن خرج البحث أو الدراسة الرصينة من القمقم النظري إلى العملي خصوصا في العلوم الاجتماعية يضحى من العسر على أعتى سلطة تهميش أو محاربة النتائج والمخرجات والاستخلاصات. وهذا درس يعلمنا إياه التاريخ دون مواربة. وعندما رأى أساتذة العلوم الاجتماعية نجاح "النظرية العنصرية النقدية" في تفكيك تغلغل العنصرية كممارسة على الصعيد اليومي، رغم أن القوانين والدساتير شرعت إلغاءها قبل عقود، شرعوا الترويج للنظريات النقدية الاجتماعية الأخرى وفي مقدمتها نقد الخطاب، خصوصا في الإعلام، الذي يعد سيفا ذا حدين: حد للخير وحد للشر.
ودخلت نظرية "العنصرية المضمرة أو المستترة" معترك الحياة أخيرا. لا يتسع الحد الأقصى المسموح لي من الكلمات لهذا المقال الولوج في تفاصيل هذه النظرية، وأعد قرائي بالتطرق إليها ببعض التفصيل في الأسبوع المقبل. لكن هذه النظرية تحاول قراءة ما نخبئه بين السطور وما لا نظهره من كلمات إما خشية من سلطة أو تحكم أيديولوجية أو ميل، أو لغرض في أنفسنا. منهج هذه النظرية مكن الإعلام والناس من التساؤل من هو الأجنبي أو المهاجر أو الدخيل في أمريكا أو أستراليا مثلا.
وتتساءل النظرية لماذا وكيف صار أصحاب البشرة البيضاء من السكان هم الأصلاء والسكان الأصليون غرباء؟ ولماذا يصبح القادمون إلى هذه الأراضي غرباء ومهاجرين وأجانب بينما البيض هم أصلا الغرباء والمهاجرون والأجانب الذين قدموا من وراء البحار واستأصلوا السكان الأصليين؟.
جراءة كبيرة لا بل جرعة كبيرة منحتها هذه النظرية للناس والإعلام للتطرق إلى مسائل وقضايا اجتماعية لم يكن بالبال حتى المساس بالأسس غير العقلانية التي بنيت عليها. الأكاديميون الغربيون قادمون، وها هم قد نزلوا من أبراجهم العاجية. وإن كان الرئيس الأمريكي السابق بصرامته المعروفة لم يتمكن من إزاحة إنجازهم الكبير في ترويج "النظرية العنصرية النقدية"، أتوقع نجاحا كبيرا لأصحاب نظرية "العنصرية المضمرة أو المستترة" في المقبل من الأيام.
إنشرها