Author

كيف صممنا اقتصادنا تاريخيا؟

|
تنشأ الأسواق وفق سلسلة معقدة من تداخلات اقتصادية واجتماعية وتراتبية زمنية تتطور فيها مستويات التبادل على أساس المنفعة المتبادلة بين الأطراف ومدفوعة في الأساس بالموارد والقوى البشرية. ويعد القطاع الأولي أو الأساسي المعتمد على المواد الاستخراجية من الطبيعة دون أي إضافات، مثل استخراج النفط والغاز والتعدين وغيرها من الأعمال الاستخراجية هو أساس تشكل اقتصادنا في الخليج، وغالبا تتشكل حول هذا النموذج قطاعات احتكارية قوية، إضافة إلى هشاشة في توزيع العائد على القطاع العائلي بسبب قوة العوائد المتركزة لدى الحكومات مع هشاشة في القطاعات الاقتصادية الأخرى، لهذا تلجأ الدول الأكثر تخطيطا إلى بناء قطاع الصناعات التحويلية بهدف امتصاص القوة النقدية وزيادة تعزيز التنوع الاقتصادي. ولعل تجربتنا في السعودية في مدينتي الجبيل وينبع الصناعية كانت خير نموذج على ذلك، كما أن قطاع الأسمنت جاء ثالثا من حيث الأهمية في تصميم اقتصادنا الوطني وأهميته في التنوع الاقتصادي. أما البنوك فقد لعبت دورا جوهريا في استيعاب الكتلة النقدية التي كانت تتولد من بيع النفط خارجيا، في الوقت ذاته ركز المخطط الاقتصادي السعودي على أهمية صلابة النظام المصرفي، وفعلا حقق النظام المصرفي السعودي رابع أقوى نظام مصرفي عالميا، وأسهمت الصناديق التنموية والإنفاق المباشر من الحكومة في تشكل بعض القطاعات الأخرى وفق نسب متفاوتة من حيث التنوع الاقتصادي.
ولمواصلة بناء اقتصادنا تم بيع حصص من أسهم أرامكو إلى السوق المالية التي كانت بمنزلة إعلان جدية نقل عبء التنوع الاقتصادي إلى الأسواق بدلا من الحكومة، وجاء ذلك ضمن "رؤية 2030" التي كانت بمنزلة خريطة الطريق التي ستكمل جهودنا الماضية في بناء اقتصاد وأسواق حقيقة، تعتمد الأسواق والاستثمار من القطاع الخاص. ونظرا لضعف القطاع الخاص وحداثته لعب صندوق الاستثمارات العامة دورا حيويا في تأسيس شركات حكومية على أسس تجارية تقوم بدور وسيط التحول الاقتصادي، وتحولت تلك الشركات الحكومية لتشكل نموذجا اقتصاديا يعد من الناحية النظرية فعالا ومجربا عالميا، ويعد نموذجا مماثلا إلى درجة كبيرة للشركات الحكومية الصينية التي لعبت دورا حاسما في تقدم الصين.
أخلص القول: نحن نسير وفق مسارات صحيحة في تصميم أسواقنا الداخلية وبناء اقتصادنا على أسس صلبة ومستدامة، ولا سيما بعد الإصلاحات الهيكلية التي طالت مفاصل الاقتصاد بشكل عميق، ولعل قطاع الخدمات هو القطاع الأكثر حظا وتطورا في الحقبة الحالية، إضافة إلى القطاعات الأخرى وفق نسب متباينة بسبب الظروف الاقتصادية العالمية التي نعيشها. ولعلي أختم مقالة اليوم بطرح فكرة تأسيس لجان توجيهية عليا مستقلة لكل قطاع تصدر تقارير محايدة لتراقب النمو والانحراف للقطاعات استثماريا واقتصاديا وبشريا بما في ذلك توطين الوظائف سواء في الشركات المدرجة أو الأهلية أو الحكومية، ولزيادة الحوكمة يمكن نشر تقاريرها بشكل دوري بهدف توجيه الجميع نحو مواصلة بناء أسواقنا واقتصادنا بشكل أسرع وأفضل.
إنشرها