تقارير و تحليلات

هبوط قياسي لـ «مؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري» .. إيجابي للجهات السعودية الأنشط إقليميا

هبوط قياسي لـ «مؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري» .. إيجابي للجهات السعودية الأنشط إقليميا

هوت أسعار مؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري في الأيام الماضية نحو مستويات قياسية لم تشاهد منذ العمل الرسمي بالمرجع التسعيري الليبور، وذلك بفعل السيولة الوفيرة للدولار بالأسواق الأمريكية.
وتحمل تلك الأنباء أخبار سارة لجميع المقترضين الخليجيين والسعوديين من الشركات والحكومات الذين تمكنوا في الأعوام الثلاثة الأخيرة من الحصول على خطوط تمويل من البنوك الدولية وذلك لكونهم سيدفعون أقل من المتوقع للبنوك الأجنبية.
وتعد الشركات الحكومية السعودية الأنشط في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، في سوق القروض الدولارية وذلك بفعل المشاريع التنموية المرتبطة بـ"رؤية 2030".
وبحسب رصد وحدة التقارير في صحيفة "الاقتصادية" بالشراكة مع محللي منصة "ماكروبوند" السويدية ( Macrobond) المتخصصة في استعراض بيانات الاقتصاد الكلي، جاء الهبوط القياسي لـ"مؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري" في الأيام الماضية بعد أن تأرجح لأول مرة عند مستويات 0.15 في المائة، ليسجل بذلك الليبور أدنى مستوياته منذ أكثر من 35 عاما.
وتمثل هذه الظروف فرصة نادرة للجهات الخليجية من أجل الذهاب مع خيار القروض المصرفية المجمعة أو الثنائية في ظل التوقعات المستقبلية بتدني أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
إلى ذلك، بدأت بعض الشركات الخليجية التي لجأت إلى أسواق الدين المحلية والدولية خلال الفترة الماضية في تسديد خطوط التمويل للبنوك التي حصلت عليها إبان الجائحة وذلك بعد ظهور آثار التعافي الاقتصادي في المنطقة.
وشهد العام الماضي إقبال الجهات الخليجية على "القروض قصيرة الأجل" الداعمة لـ"رأس المال العامل" بفعل الانخفاضات القياسية لمراجع التسعير الخاصة بالعملات المحلية، الأمر الذي يعني تكلفة تمويل متدنية للشركات.
وجاء الإقبال على القروض القصيرة الأجل الخاصة بالأغراض العامة للشركات الخليجية (بفعل زيادة متطلبات السيولة لدى الشركات) متوافقا مع النمط العام العالمي.
ونقلت منصة "ريد" REDD، المتخصصة في التحليلات المتعمقة عن أدوات الدخل الثابت في الأسواق الناشئة، عن مصرفي أوروبي قوله إنه قد تم تسجيل زيادة بمقدار 40 في المائة في استخدام متحصلات القروض لمصلحة الأغراض العامة للشركات الأوربية في العام الماضي مقارنة بـ13 في المائة قبل الجائحة.
وبشكل عام، تنظر شركات التصنيف الائتمانية بإيجابية إلى الشركات الخليجية الحاصلة على "التسهيلات الائتمانية المتجددة" التي تستخدم عند الحاجة.
ومن أجل تحقيق ميزة تسعيرية تؤدي إلى تضييق "الهوامش الائتمانية" بشكل أكبر على خطوط التمويل بالعملة المحلية، يتوجه المستدينون الخليجيون من الشركات "غير المصنفة ائتمانيا" نحو تفضيل القروض الثنائية (مع جهة تمويل واحدة) على حساب القروض المجمعة مع عدة جهات.
وعلى الرغم من ثبات أحجام الصفقات خلال فترة كوفيد - 19 في العام الماضي، فقد ظهر تحسن في إيرادات القروض المصرفية الأوربية بفعل زيادة الرسوم المرتبطة بالهوامش الائتمانية القادمة من خدمات التعهد بتغطية الأموال المراد جمعها من الجهات التمويلية.
معلوم أن رصد الصحيفة بالشراكة مع ماكروبوند يفيد بأن الليبور (منذ الاستخدام الرسمي له في 1986) لم يكسر حاجز الـ0.16 في المائة إلا في هذه الأيام.
ومن شأن الهبوط قياسي لـ"مؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري" أن يعجل بخطط الشركات السعودية والخليجية نحو التوجه للقروض المجمعة والثنائية المقدمة من البنوك الأمريكية والأوروبية والآسيوية.
ويتم تسعير معظم القروض الدولارية وفقا للفائدة المتغيرة التي تعتمد على حركة مؤشر الليبور الذي تتفاوت معدلاته وفقا لآجال متفاوتة.
وأسهمت الوفرة النقدية في أسواق التمويل بالدولار التي جاءت من برنامج شراء الأصول الجاري، في إحداث ضغوط هبوطية على أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة، الأمر الذي انعكس على حركة مؤشرات الليبور خلال الأيام الماضية.
وتأثرت بذلك أيضا أدوات مالية أخرى مثل اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو) إلى أذون الخزانة وفي بعض الحالات هبط العائد دون الصفر، وبخلاف برنامج التيسير الكمي، فقد تأثرت "تخمة السيولة" بمدفوعات الإغاثة الفيدرالية إلى الولايات والبلديات المحلية.
واستند رصد وحدة التقارير حول حركة الليبور، إلى بيانات منصة "سي بوندز" Cbonds التي يستعين العاملون في أسواق الدخل الثابت بمنصتها من أجل تتبع حركة مؤشرات أسواق الائتمان العالمية، فضلا عن تقييم أداء السندات، التي يستثمرون بها.
أما بخصوص البيانات التاريخية لحركة الليبور فتم الاستناد إلى منصة "ماكروبوند" Macrobond، التي لديها برمجيات خاصة تمكنت على أثرها من تكوين أكبر قاعدة بيانات اقتصادية، مدعومة بأدوات تحليلية تساعد الباحثين على ربط تلك البيانات مع بعضها بعضا، وتكوين صورة شاملة عن الاقتصاد الكلي.

أدنى مستويات أقساط للقروض
من ناحية أخرى، أسهم الهبوط المتواصل لمؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري الليبور في جعل مدفوعات القروض البنكية لأن تصبح أقل تكلفة على المستدينين الخليجيين، بل إن جهات سيادية سعودية وشركات حكومية قد دفعوا أو على وشك أن يدفعوا هذا العام أدنى مستويات أقساط للقروض المجمعة الدولارية التي استدانوها منذ 2016.
يذكر أن إجمالي القروض المجمعة الدولارية للجهات السعودية بلغت 38 مليار دولار في 2018 و29.7 مليار دولار بنهاية 2019.

أهمية الليبور مع تسعير القروض
يولي العاملون في أسواق النقد القصيرة الأجل وكذلك مصرفيو القروض، أهمية بالغة لحركة الليبور (سعر الفائدة المعروض بين البنوك في لندن)، وكما هو الحال مع السايبور، يعبر الليبور عن متوسط سعر الفائدة على المدى القصير.
ويتم تسعير معظم القروض الدولاية وفقا للفائدة المتغيرة التي تعتمد على حركة مؤشر الليبور الذي تتفاوت معدلاته وفقا لآجال متفاوتة، حيث يتم اختيار الفائدة المتغيرة مع القروض المجمعة بشكل عام.
وهامش تكلفة التمويل ثابت لكن الذي يتغير هي الفائدة الخاصة بمؤشر القياس، حيث تزداد أو تنخفض الدفعات الدورية مع كل إعادة تقييم (re-setting) لليبور التي ستتم خلال أعوام استخدام القرض.
وعلى الرغم من أن الأغلبية العظمى من القروض المجمعة تكون بفائدة متغيرة، إلا أن هناك نسبة ضئيلة من القروض المجمعة تكون بفائدة ثابتة.

مروحية الأموال الأمريكية
ويعود سبب الهبوط المتواصل لأسعار الفائدة القصيرة الأجل التي أثرت في آجال الليبور كافة إلى وفرة الأموال بالولايات المتحدة.
ومن ضمن الحلول غير التقليدية التي جلبتها الجائحة هو قيام الولايات المتحدة بمنح الأموال بشكل مباشر للمواطنين، من أجل تشجيعهم على إنفاقها، الأمر الذي يقود إلى تحفيز الإنتاج والتوظيف ومن ثم إعادة الاقتصاد لمستويات النمو التدريجي، ويعرف هذا التصرف لدى الاقتصاديين بـ"مروحية الأموال" Helicopter money.

القروض الدولارية في 2019
ومع الهبوط المتواصل لمؤشر تكلفة الاقتراض الدولاري الليبور بات بمقدور جهات سيادية سعودية وشركات حكومية أن يدفعوا أو دفعوا هذا العام أدنى مستويات أقساط للقروض المجمعة الدولارية التي استدانوها منذ 2016.
وكانت "لاقتصادية" قد نشرت تحليلا في 1 آذار (مارس) 2020 ذكرت فيه أن المقترضين السعوديين قد حافظوا على مستويات الاستدانة بالعملة الدولارية من القروض المجمعة بفئاتها كافة بنهاية العام الماضي، لتسجل ثاني أعلى نمو على القروض الدولارية خلال الأعوام العشرة الماضية.
وبحسب تحليل وحدة التقارير بلغ إجمالي القروض الدولارية 29.7 مليار دولار بنهاية 2019، مسجلة انخفاضا طفيفا بنسبة 1.6 في المائة عن إجمالي القروض الدولارية المسجلة بنهاية 2018، وعزا مراقبون ذلك الانخفاض الطفيف على أساس سنوي، إلى كون بعض المقترضين قد فضلوا التحول إلى أسواق الدين من أجل الحصول على تكلفة تمويل متدنية وثابتة وإطالة أجل الاستحقاقات، وهي مميزات قد لا توفرها المصارف للمقترضين المحتملين.
واستند تحليل وحدة التقارير في حينه إلى بيانات منصة "بلومبيرج" التاريخية، التي ترصد القروض المعلنة، سواء المجمعة أو الثنائية بين المؤسسة والمصرف، واستثنت تلك المعايير القروض، التي حان أجل استحقاقها، وتم التركيز فقط على القروض النشطة والقائمة، التي لم يحن أجل استحقاقها.
وأظهرت بيانات أن المقترضين السعوديين سجلوا رقما قياسيا في القروض المجمعة الدولارية التي بلغت بنهاية 2018 ما يصل إلى 38 مليار دولار، وهذا ضعف ما سجل في 2017، وهم بذلك يحتلون المرتبة الأولى خليجيا، متبوعين بالمقترضين الإماراتيين "ذلك بإجمالي صفقات وصلت إلى 25 مليار دولار"، ولوحظ أن 27 مليار دولار من الـ38 مليار دولار جاءت من جهات سيادية سعودية.
وبحسب رصد بيانات إجمالي القروض المجمعة التي حصل عليها المقترضون السعوديون في 2018 البالغة 49.5 مليار دولار "شاملة القروض المقومة بالريال والدولار"، شكلت القروض المقومة بالدولار نسبة لامست 77 في المائة من الإجمالي.
وبلغ إجمالي القروض المجمعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال 2018، أكثر من 127.2 مليار، وكان نصيب المقترضين الخليجيين من القروض المجمعة، نحو 114.5 مليار دولار من إجمالي القروض المجمعة للعام نفسه، حيث استحوذت المملكة على 33 في المائة منها.

القروض مقابل أدوات الدين
لطالما شكلت مسألة تفضيل الاقتراض عبر "القروض المصرفية" أو عن طريق طرق باب "أسواق الدين" جدلا بين مديري الخزانة بالشركات السعودية، حيث إن الخيار الأفضل يعتمد على ظروف السوق.
فمثلا اللجوء إلى أدوات الدين في الوقت الحالي يمنح المصدرين السعوديين والخليجيين تكلفة تسعيرية مرتفعة (في حال تدني درجة التصنيف الائتماني للجهة المستدينة)، إلا أن أدوات الدين تتميز بأفضلية "تثبيت أسعار الفائدة " وكذلك إطالة آجال الاستحقاقات لتصل إلى أكثر من عشرة أعوام، مقارنة بالقروض المجمعة، التي تصل معظم آجالها في الخليج إلى عام واحد أو بالكثير خمسة إلى ثلاثة أعوام في حال كان القرض المجمع مقوما بالعملة الدولارية، فضلا عن كون المدفوعات الدورية تتغير قيمتها بحكم كونها مسعرة بالفائدة المتغيرة وفقا لنوعية أجل المرجع التسعيري.
ويعود عدم قدرة معظم المصارف على تقديم قروض بآجال استحقاق أطول إلى القيود التنظيمية، التي فرضتها المعايير الدولية للمحاسبة والمراجعة، ولا سيما من المعيار التاسع، الذي يتطرق إلى المعالجة المحاسبية الخاصة بالقروض وكيفية التطرق إلى المخاطر الناجمة عنها.

وحدة التقارير الاقتصادية
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات