Author

الأمن السيبراني البيولوجي .. البيوسيبراني «1من 2»

|

أستاذ الطاقة الكهربائية المشارك ـ جامعة الملك سعود

[email protected]

اخترق متسللون أو هاكرز في عام 2015 أنظمة المعلومات الخاصة بثلاث شركات لتوزيع الكهرباء في أوكرانيا وعطلوا مؤقتا إمدادات الكهرباء إلى المستهلكين. كان أول هجوم إلكتروني صريحا على شبكة كهرباء، حيث أوقفت الهجمة تشغيل 30 محطة فرعية تخدم نحو 230 ألف شخص، وتعطلت الكهرباء لمدة تراوح من ساعة إلى ست ساعات. ومنها تساءل المختصون: هل أصبحت شبكات الكهرباء في العالم أكثر عرضة للهجوم والقرصنة؟ يتجه أغلب المرافق حاليا نحو مصادر الطاقة المتجددة وقياسها وإرسالها لحظيا وإضافة الملايين من المكونات الرقمية مثل العدادات الذكية بما يؤدي إلى مضاعفة الاتصالات وأجهزة الاستشعار على طول شبكاتها وعليه يوسع من إمكانية الاختراقات.

لقد أصبحت شبكات الكهرباء عرضة للمخاطر بشكل متزايد بسبب الرقمنة واستخدام مزيد من التطبيقات الذكية. وفي الهند مثلا، سلط الضوء على التهديد الحقيقي عندما وجد أن انقطاع التيار الكهربائي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في مومباي كان ناتجا عن التخريب الإلكتروني، وعليه أثر ذلك الانقطاع في أسواق الأسهم والقطارات وآلاف الأسر. إن الإمكانات التخريبية لفشل الشبكة تجعل الصناعة هدفا رئيسا لأن الأثر سيمتد إلى أبعد من ذلك، كما رأينا من آثار العاصفة الثلجية العاتية في ولاية تكساس في شباط (فبراير) الماضي.
ولا تقتصر الهجمات على شبكات الكهرباء وحدها، فقد تكون الأهداف ميناء بحريا أو أجهزة بيانات ملاحة طيران بما يؤثر سلبا في الأمن القومي واقتصاد البلد، وقد تكون الهجمات من أجل سرقة بيانات والتعرف عليها أو العبث بمحتوياتها أو تخريبها.

يقول البروفيسور كيم سونغ جو، الأستاذ في كلية الأمن السيبراني في جامعة كوريا: "كانت البنى التحتية الأساسية للدولة مثل شبكات الطاقة والمفاعلات النووية هدفا للهجمات السيبرانية، وستظل كذلك لأن الرقمنة تسمح بالاتصال بالإنترنت، ما يجعلها عرضة للخطر". ويقول في سياق آخر: "يكاد يكون من الغريزة الطبيعية للقراصنة مهاجمة البنية التحتية للطاقة، لأنهم يستطيعون بسهولة تعطيل الأمن القومي".

وعليه أنشأ بعض الدول مثل الولايات المتحدة خطا دفاعيا "أو قوات" خامسا في صناعة الدفاع العسكرية، بعد الدفاع البري والجوي والبحري والفضائي، حيث يتولى الدفاع السيبراني مراقبة الفضاء "الإنترنتي" وتوقع الهجمات نحو النقاط الحساسة في عموم البلد وحمايتها. إن الهجمات الإلكترونية تصيب الشركات بمعدل يومي، ويعد فيروس ماي دووم Mydoom أسوأ تفش لفيروسات الحواسيب في التاريخ، حيث تسبب في أضرار تقدر بنحو 38 مليار دولار عام 2004، يليه فيروس سوبيج Sobig، حيث تقدر خسائره عام 2003 بنحو 30 مليار دولار، وأخيرا فيروس كليز Klez بخسائر تقدر بنحو 20 مليار دولار عام 2001، ولائحة الفيروسات الحاسوبية تطول وتتجدد.

يقول جون تشامبرز، الرئيس التنفيذي السابق لشركة سيسكو Cisco: "هناك نوعان من الشركات: تلك التي تم اختراقها وتلك التي لا تعرف حتى الآن أنها تعرضت للاختراق"، ووفقا لتقرير سيسكو السنوي للأمن السيبراني Cybersecurity، لقد زاد الحجم الإجمالي للاختراقات أربعة أضعاف تقريبا بين كانون الثاني (يناير) 2016 وتشرين الأول (أكتوبر) 2017، ومنها زادت جرائم الإنترنت كل عام، حيث يحاول المتسللون الاستفادة من أنظمة الأعمال الضعيفة، ولقد أسفر 53 في المائة من الهجمات الإلكترونية عن أضرار قدرها نصف مليون دولار أو أكثر، ويمكن أيضا إطلاق التهديدات السيبرانية بدوافع خفية، حيث ينظر بعض المهاجمين إلى طمس الأنظمة والبيانات كشكل من أشكال القرصنة.

إن المملكة حريصة كل الحرص على قطاع الأمن السيبراني، حيث أنشأت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني ذات الاختصاص في الموضوع ذاته، وكذلك بناء قدرات محلية واحترافية في مجال الأمن السيبراني من خلال إنشاء الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز. وحققت المملكة في آذار (مارس) 2019 إنجازا بارزا عندما صنف الاتحاد الدولي للاتصالات المملكة في المرتبة الـ 13 عالميا والأولى عربيا من بين 175 دولة، من خلال المؤشر العالمي للأمن السيبراني، الذي يتم قياسه كل عامين بناء على عوامل قانونية وتعاونية وتقنية وتنظيمية وبناء القدرات.
دعونا الآن ننتقل من الأمن السيبراني إلى الأمن البيولوجي أو الإحيائي Biosecurity. بينما يتعامل الأول مع فيروسات حاسوبية، فإن الثاني يختص بالدرجة الأولى بمكافحة الفيروسات والجراثيم والبكتيريا الإحيائية أو البيولوجية. ويشترك الأمن السيبراني مع الأمن البيولوجي في رسم مجموعة من التدابير والأساليب الوقائية الرامية إلى الحد من مخاطر انتقال الفيروسات سواء إلى مراكز البيانات والنقاط الحساسة في البلد "الأمن السيبراني" أو إلى البشر والمحاصيل والثروات الحيوانية والكائنات الحية "الأمن البيولوجي".

إن الفيروسات البيولوجية أو الأوبئة والجوائح قد لا تكون مصنعة أو مهندسة أو معمولة مسبقا في معمل، كما كان يدعي البعض أن فيروس كورونا قد صمم في أحد معامل ووهان الصينية قبل أن يسرب أو يتسرب خارجا بيد أن، منظمة الصحة العالمية دحضت هذا الادعاء. لقد تنبأ بيل جيتس بجائحة كورونا عام 2015، وكأنه استدل أو اقتبس من نتائج المؤتمر الاقتصادي العالمي عام 2009 عندما تنبأ لجائحة فيروسية مقبلة وأسموها فيروس أو المرض إكس Disease X.

وعندما سئل جيتس مرة أخرى في شباط (فبراير) الماضي عن توقعاته بالجائحة المقبلة قال بالحرف الواحد: "هناك جائحتان قادمتان متوقعتان هما: التغير المناخي والإرهاب البيولوجي"، ويقصد بالثانية هندسة الفيروسات البيولوجية وإرسالها إلى نقاط أو مناطق أخرى. إن المهاجمين في الأمن السيبراني والبيولوجي يهدفون إلى التخريب والإضرار، لكن لم يؤخذ الأمن البيولوجي بالبعد والسمعة نفسيهما مثل تلك التي حصل عليها الأمن السيبراني. ومن المتوقع أن تزداد المخاوف بشأنها كثيرا، خصوصا مع المعارف العلمية والخبرات التقنية التي أخذت تظهر في علوم الحياة في الأعوام الأخيرة مع تناقص تكاليف هذه المعرفة والخبرة وازدياد إمكانية الوصول إليها والحصول عليها ... يتبع.

إنشرها