Author

تقييم صندوق النقد للاقتصاد السعودي

|

أشاد خبراء صندوق النقد الدولي في بيانهم الخاص بمشاورات المادة الرابعة لعام 2021، المتعلقة بالاقتصاد السعودي، بدءا من الاستجابة السريعة للحكومة واتخاذها التدابير اللازمة لتخفيف تداعيات أزمة كوفيد - 19، ولاحتواء الفيروس مبكرا وحماية صحة أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، إضافة إلى ما تزامن معها من إقرار برامج دعم المالية العامة والقطاع المالي والتوظيف، مستهدفة التخفيف من الآثار الناتجة عن الجائحة العالمية على الاقتصاد الوطني عموما ومنشآت القطاع الخاص والعمالة السعودية فيها، والإجراءات التالية لاحقا بالتزامن مع إعادة الفتح المتدرج لأنشطة الاقتصاد، والتأكيد على الدور المهم للإصلاحات الهيكلية التي أنجزتها المملكة طوال الأعوام التي سبقت تفشي الجائحة العالمية، وأنها أسهمت بصورة كبيرة في زيادة كفاءة وقدرة الأجهزة الحكومية للتعامل مع تداعياتها عالميا ومحليا، واستنادها بالدرجة الأولى إلى الهيكل القوي للحوكمة، إضافة إلى المنظومة المتكاملة للعمل المشترك بين مختلف الأجهزة الحكومية، وتوافر التحول الرقمي المتقدم على مستوى الخدمات الحكومية والمالية.

وقدرت توقعات صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي نموا حقيقيا يبلغ 2.1 في المائة خلال العام الجاري، ويواصل وتيرة الارتفاع خلال العام المقبل ليصل إلى 4.8 في المائة، ويسجل القطاع غير النفطي نموا حقيقيا خلال العام الجاري يبلغ 3.9 في المائة، ونحو 3.6 في المائة خلال العام المقبل، واقتران تلك الوتيرة من تعافي الاقتصاد الوطني خلال عامي 2021 - 2022 بمزيد من التراجع في معدل البطالة، وتباطؤ معدل التضخم، مؤكدا في ختام تلك التوقعات المتفائلة، ولأجل حماية وتيرة استعادة تعافي الاقتصاد الوطني، ولإعطاء حافز أقوى للنمو، فإنه يتعين على صناع السياسات توخي مزيد من الحذر على مستوى إدارة عمليات الخروج من تدابير وإجراءات الدعم المتبقية والمرتبطة بجائحة كوفيد - 19، والعمل في الوقت ذاته على الاستمرار في جهود الإصلاحات التي يتم إقرارها في الأجل الطويل، وفقا لما تضمنته رؤية المملكة 2030.

على مستوى السياسة المالية، توقع الصندوق أن يتراجع العجز المالي خلال العام الجاري إلى 4.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بوصوله إلى 11.3 في المائة خلال العام الماضي، مع تأييده للمحافظة على الضبط المالي الراهن، وترشيد الإنفاق الحكومي ورفع كفاءته.

ويرى خبراء الصندوق أن من الضرورة أن تتم معايرة كل تقدم بدقة في الأجل القصير، لضمان مواصلة توفير الدعم اللازم لاستعادة تعافي الاقتصاد، وأن يزيد الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية التي تستهدف دعم الأسر منخفضة الدخل، ومساعدتها بصورة كافية على تعويض تراجع قوتها الشرائية بعد زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة، وإلغاء بدل غلاء المعيشة، اللذين تم إقرارهما خلال العام الماضي.

ولن يتسع المجال هنا للتطرق إلى جميع ما ورد في المذكرة المختصرة لمشاورات المادة الرابعة للصندوق، التي يتوقع أن يتم نشر تقريرها التفصيلي الكامل بنهاية الربع الثالث من العام الجاري، ولا شك أن الأجهزة الحكومية ذات العلاقة ستأخذ بالمفيد من توصيات الفريق المعد للتقرير، التي يزمع نشرها، كما هو معتاد، مع جميع الدول الأعضاء، مع التأكيد أن الأهم هو ما يحقق مصلحة الاقتصاد والمجتمع، وهو أمر مشروع لأي دولة عضو لا تخضع لبرامج إصلاح وإقراض من الصندوق، ويأتي التركيز على هذا المحور تحديدا في الوقت الذي يتوافر لدى المملكة برامج إصلاح وتطوير شاملة، تم البدء بها تحت مظلة رؤية المملكة 2030 منذ نيسان (أبريل) 2016، وخضعت تلك البرامج التنفيذية ولا تزال لعمليات مراجعة وتطوير وتحديث بصورة مستمرة ودون توقف.

تأتي أهمية هذا الجانب تحديدا، في الجوانب المتعلقة بسوق العمل المحلية، وفي سياق التوصيات والمرئيات التي طالما اعتاد فريق خبراء صندوق النقد الدولي على طرحها طوال الأعوام الماضية، وكثير منها ثبت عدم دقته وجدواه فيما يتعلق بسمات بيئة سوق العمل المحلية، وهذا الأمر الذي أكدته رؤيته في التقرير الأخير الذي رحب بالإصلاحات الأخيرة في نظام كفالة العاملين الوافدين في القطاع الخاص، وأنها ستسهم في إعطاء العاملين الأجانب حرية أكبر في التنقل، ما سيؤدي إلى زيادة أجورهم وإنتاجيتهم، بينما يعتقد خبراء الصندوق بأن من الصعب إيجاد قطاع خاص تنافسي ومتنوع، في ظل عدم تماشي الأجور المتوقعة من جانب العمالة السعودية مع مستوى إنتاجيتهم، وحسبما يرون تتطلب زيادة إنتاجيتهم مواصلة تركيز السياسات على تحسين جودة التعليم والتدريب المهني، ليتوصل أولئك الخبراء إلى نتيجة بعيدة كل البعد عن الواقع، بالقول إن العمالة السعودية قد تقبل بأجور أقل إذا أعلن صناع السياسات بوضوح تراجع فرص العمل في القطاع العام مستقبلا.

لو تم توجيه سؤال لأولئك الخبراء، إلى ماذا استندتم في استنتاجكم أن إنتاجية العامل الوافد أعلى من إنتاجية العامل السعودي؟ "أكبر شاهد على خطأ هذا الاستنتاج إنتاجية القطاع البنكي والبتروكيماوي لدينا، لارتفاع نسب التوطين فيها إلى 90 في المائة"، وكيف توصلتم إلى النتيجة الخاطئة أن المؤهلات التعليمية للعمالة الوافدة أعلى من مثيلها للعمالة السعودية؟ وهو الأمر الذي تثبت عكسه البيانات الرسمية المنشورة، وقس على ذلك كثيرا من التصورات والتوصيات غير الدقيقة لفريق الخبراء.

وكما تثبت روح المقال أعلاه، لا أحد يتبنى قبولا مطلقا، ولا رفضا مطلقا لأي توصيات أو مرئيات، والأمر في نهاية مطافه، مرهون فقط بما يتوافق مع مصلحة الاقتصاد الوطني، وبما يتوافق مع واقعه الذي هو عليه، بالصورة الدقيقة والحقيقية التي تظهرها المؤشرات والدراسات الآنية، وتجنبا لأي تصورات أو تقارير غير دقيقة لا تمت للواقع بكثير من الصلة، دع عنك تلك التي قد لا تمت للواقع بأي صلة.

إنشرها