Author

في زمن المصائب الكبرى .. الإنسانية أولا

|
"تنشر الدول الغنية لقاحات في حين تكتفي الدول الأقل تطورا بالمشاهدة والانتظار"
تيدروس جيبريسوس، مدير عام منظمة الصحة
يبدو واضحا أن توجهات الدول الغنية في مجال توفير اللقاحات أو دعمها للدول الفقيرة وتلك التي توصف بالأشد فقرا، تغيرت في غضون أسابيع، بعدما كانت قومية، كما وصفتها غرفة التجارة الدولية، في حين اتفقت معها منظمة الصحة العالمية في هذا التوصيف. والواقع: إن قومية اللقاحات - إن جاز التعبير - كانت ماثلة على الساحة في بدايات طرح هذه اللقاحات، وهي المرحلة التي لم تتسم أصلا باليقين. فبعض اللقاحات التي أعلن عنها، شابها الغموض، وأخرى اتسمت بقدرات بسيطة على مكافحة فيروس كوفيد - 19، فضلا عما تم، فإن الشائعات التي تحدثت عن أعراض خطيرة لهذا اللقاح أو ذاك، والتشكيك في بعضها على أنها وهمية. كلام لم يتوقف حول اللقاحات، بما في ذلك تلك التي خضعت بالفعل لتمحيص وتدقيق جهات دولية معروفة بحرفيتها ونزاهتها، وحصلت على التراخيص الكاملة.
ليس مهما الحديث الآن عن فاعلية اللقاحات. فكلها أثبت فاعليته بصورة أو بأخرى، حتى إن شركة جونسون آند جونسون المختصة بمستحضرات الأطفال والرضع، دخلت على الخط منتجة لقاحا بجرعة واحدة وليست جرعتين. النقطة الأهم في هذا المجال، تلك العدالة التي تتحدث عنها بعض الأوساط الدولية في توزيع اللقاحات، وضرورة أن تكون هناك مساواة في هذا النطاق. فلا يمكن تحصين مجتمع واحد من الوباء، بينما يصل إلى هذا المجتمع بشر عبر الاتصال المباشر أو غير المباشر ليسوا محصنين منه، فهذه السلعة حتمية للجميع لأسباب أخلاقية وعملية في آن معا. ومن هنا تحرك بعض الحكومات الغربية إلى إزالة الاستنتاج بوجود قومية في مجال توزيع اللقاحات، فهذه المسألة لا ينطبق عليها المثل الشعبي الشهير: "خيار وفقوس".
ورغم تراجع مستوى قومية اللقاحات، إلا أن غرفة التجارة الدولية، تعتقد أن هذه القومية تكلف الاقتصاد العالمي 9.2 تريليون دولار. وهذه التكاليف ليست حكرا على البلدان الفقيرة، بل تشترك الدول الثرية بنصفها. لماذا؟ لأن الأضرار المالية على البلدان الغنية لا يمكن إصلاحها أو تعويضها، ما لم يتم التصدي لتداعيات الأزمة حول العالم بما في ذلك الدول النامية. والسبب أن الاقتصادات حول العالم مترابطة فيما بينها. فالمسألة هنا لا تنحصر في عدالة توزيع اللقاحات فقط، بل تشمل بصورة أساسية تسريع تطوير وإنتاج لوازم التشخيص والعلاجات واللقاحات ضد فيروس كوفيد - 19. البعض يقول هذا لا يدخل في سياق العمل الخيري، بل ضمن المنطق الاقتصادي. وهذا المنطق يتطلب تحركا مساويا من حيث مقاومة الوباء وعلاجه وتشخيصه في كل الساحات.
الدول الكبرى بدأت بالفعل تحركها لتوفير اللقاحات للدول الفقيرة، من بينها الولايات المتحدة بإدارة الرئيس جو بايدن، الذي خصص ملياري دولار في هذا السياق، في حين التزمت دول "مجموعة السبع" ببرنامج دعم مشابه بصورة جماعية وفردية. فألمانيا أعلنت، قبل أيام، أنها رفعت مستوى دعمها للقاحات الدول النامية 1.5 مليار يورو تضاف إلى 600 مليون يورو خصصتها برلين سابقا لهذا الغرض. والسعودية كانت سباقة برصدها مبالغ مالية كبيرة، بل دخلت بالفعل في مفاوضات مع الشركات المنتجة للقاحات لتوفيرها للدول منخفضة الدخل مثل اليمن وبعض الدول الإفريقية الأخرى. مع ضرورة الإشارة إلى أن الرياض ركزت خلال قيادتها "مجموعة العشرين" العام الماضي، على توفير الأموال لدعم أعمال تحضير اللقاحات حول العالم، إلى جانب طبعا مشاريعها التي طرحتها على "العشرين" في دعم الاقتصادات الناشئة التي تعاني تداعيات الجائحة العالمية القاتلة.
تراجعت قومية اللقاحات فعلا، وبدأت المبادرات تطرح هنا وهناك، بما في ذلك مبادرة لافتة أتت من بريطانيا التي قدمت مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، تدعو فيه الدول الثرية إلى التبرع بجرعات لقاحات كورونا التي تزيد على حاجتها، إلى الدول الفقيرة. ويشدد المشروع على الحاجة إلى التضامن والإنصاف والكفاءة، وأن تصل اللقاحات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، والدول الأخرى المحتاجة إليه حقا. ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أن مجلس الأمن الدولي يضم الدول الخمس الأكثر إنتاجا للقاحات، وهي: الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا والهند. أي إنه قرار يقدم إلى دول تمتلك القدرة على تصنيع اللقاحات، وتلقت كثيرا من الدعم الحكومي من بلدانها حتى من بلدان أجنبية في حالات الصين والهند وروسيا.
في كل الأحوال الأمور تمضي بصورة جيدة على صعيد منح اللقاحات وعمليات التطعيم حول العالم، لكنها تحتاج إلى دفعة قوية أخرى، فيها من الجانب المعنوي ما يدعم الجانب الصحي المباشر. من هنا، يمكننا أن نفهم دعوة أنطوينو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، "مجموعة العشرين" التي اتخذت زمام المبادرة العالمية منذ أكثر من 12 عاما، إلى وضع خطة تلقيح عالمية، لضمان ما أسماه عدم تخلف الركب في مكافحة الوباء. ولا شك أن تحرك "العشرين" وفق خطة تلقيح، سيختصر المدة الزمنية لتأمين الحصانة من الفيروس على مستوى العالم. ففي زمن المصائب الكبرى، لا قيمة للقومية ولا حتى للوطنية، القيمة الأهم هي للإنسانية وحمايتها بكل ما يملك هذا العالم.
إنشرها