Author

بين العقل البشري والعقل الخوارزمي

|

رحم الله عالمنا الجليل أبا جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الذي ابتكر لنا "الخوارزمية"، وهي بالضبط algorithm (ألجوريثم)، وهو تحوير للأصوات العربية لملاءمة النظام الصوتي للغة اللاتينية التي ترجمت إليها المفردة هذه. كان ذلك في القرن التاسع، وبغداد، في حينه عاصمة العلم والنور والحضارة.
واحدة من المميزات التي أقدرها كثيرا في البحث العلمي والأكاديمي تخص منح من سبقونا حقهم من خلال الاعتراف بفضلهم علينا وتحاشي انتحال ما ليس لنا. وهكذا، تعترف المؤلفات والأبحاث التي تتناول الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي بفضل الخوارزمي على الثورة الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي.
من العسر بمكان معرفة ماذا كان يجول في عقل هذا الباحث الكبير ومن المستحيل تبليغه أن لولاه ولولا ابتكاره، لما كان في إمكان عمالقة الخوارزمية من "تويتر" و"فيسبوك" و"أمازون" و"إنستجرام" و"جوجل" وغيرهم في عالمنا هذا الذي يبعدنا عنه أكثر من ألف سنة، إسكات صوت أقوى رجل في العالم.
ولقد أحدثت خوارزمية أبي جعفر عالما رقميا إن لم نتداركه قد يفلت زمام سيطرتنا على مقاديرنا كبشر وبالقدر الممكن من أيدينا.
لست في وارد الوقوف في أي صف من سياج ما يحدث في الولايات المتحدة، لكن الأحداث التي تدور هناك ستكون لها عواقب علينا كبشر، في أي بقعة من الأرض كنا.
المعادلات الحسابية التي ابتكرها الخوارزمي لحل المسائل الرياضية بتسلسل منطقي، إليها استند علماء التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لابتكار مجاميع لا نهاية لها من الخطوات من الأرقام المتسلسلة ليس لحل المشكلات والمسائل الرياضية بل للقيام بمهام كنا في السابق قد نحتاج إلى مئات الآلاف أو أكثر من العقول والعضلات لأدائها.
وصارت الشركات التي تتحكم بهذه المعادلات ونظمها تتحكم في شؤون الحياة بمختلف مضاميرها. فهي الأقوى سطوة ومالا وجاها لدرجة أن القيمة السوقية لبعضها ربما توازي قيمة الإنتاج القومي الإجمالي لقارة مثل إفريقيا التي يزيد عدد سكانها على 1200 مليون نسمة وتضم 54 دولة.
كيف ولماذا صار لهذه الشركات كل هذه الهيمنة؟ أظن أن السبب جلي، ومفاده أنها حولتنا مع العالم الذي نعيش فيه إلى أرقام تتشكل في معادلات ذكية وتنفذ واجبات بطرائق لو حدثت سابقا لوضعناها في خانة المعجزات الخارقة.
والثورة الخوارزمية حلت علينا فجاءة وتوسعت وتشعبت بشكل مذهل ومخيف مثل أخطبوط بكبر العالم الذي نعيش فيه في أقل من ثلاثة عقود.
لم يحدث لأي ثورة في حياة البشر، منذ انتقال الإنسان من العيش مع الحيوانات في الغابات والكهوف إلى عصر المدنية، الانتشار بالسرعة المذهلة هذه وبوقت قياسي ومن ثم التربع على صدور وعقول الناس مخترقة أغلب الحواجز الجغرافية والسياسية والثقافية.
لم يعد محل الإقامة أو الوجود عائقا أمام الفتح التكنولوجي الخوارزمي، في أي بقعة كنا من العالم.
وهذه الثورة هي الوحيدة في التاريخ التي تمسك بزمامها شركات معدودة رغم انتشارها الواسع، وهي الوحيدة التي لها قوانينها وأعرافها الخاصة بها، مع ذلك تطبقها خارج نطاق الدول التي نشأت فيها.
وهي تحولنا إلى أرقام، فإن هذه الشركات من الذكاء حيث تجعلنا نبصم بالعشرة على شروطها ونحن مسرورون.
غير أننا لم نقرأ المستقبل بالذكاء ذاته، لأن قبولنا الطوعي كي تدخل حياتنا من أوسع الأبواب منحها سيطرة شبه مطلقة ليس على ابتكار الخوارزميات بل على فرض أسلوبها علينا.
وكانت النتيجة ما نلاحظه اليوم من أحداث في أمريكا، المعقل الحصين لعمالقة الخوارزميات. شركة تغريدات خوارزمية أسست قبل 13 عاما كانت المنصة المفضلة لرئيس أعظم دولة في العالم لتوصيل صوته.
وكان لتغريداته متابعون يصل عددهم إلى نحو 90 مليون شخص، وصوت له نحو نصف الشعب الأمريكي، وهو زعيم إمبراطورية لم يعرف العالم لها مثيلا حيث تجوب أساطيلها وحاملات طائراتها الحربية بحار الدنيا.
بيد أن العظمة هذه لم تكن عائقا أمام الشركة الخوارزمية ذات الـ 13 ربيعا أن تقوم بتصفيته رقميا. وأخذت التصفيات الرقمية تنهال على كثيرين من الكبار والصغار في أمريكا ودخل معترك حرب التصفيات الخوارزمية هذه شركات رقمية أخرى.
تصور، قارئي اللبيب، للحظة ماذا يمكن أن تفعله هذه الشركة الخوارزمية مع زعيم دولة أخرى أو شركة أخرى أو شخص من أمثالي؟
كباحث أحاول النظر إلى الموقف بأكبر قدر من التجرد، مع إشغال العقل للتوصل إلى بعض الاستنتاجات.
طوال التاريخ كانت التصفيات (إسكات الأصوات)، رغم ما لها من تبرير، ذات مردودات سلبية، وهذا ما أخشاه من الذي يحدث في أمريكا حاليا، لأني لا أظن أن الوسيلة التي استخدمتها الشركات الخوارزمية الأمريكية العملاقة لتصفية وجهة نظر أمريكية ستكون الخاتمة.
حرب التصفيات الرقمية وعلى نطاق واسع وداخل مجتمع أنجب عمالقة خوارزميين بهذا الحجم نذير، وعلى الدول الأخرى اتخاذ ما يجب من احتياط.
ما يميز الحروب طوال التاريخ أن البشر يدشنونها، إلا أن خواتيمها ليست بيدهم. والتصفيات الرقمية حرب، ليست إلا.

إنشرها