أخبار اقتصادية- محلية

خبراء دوليون لـ"الاقتصادية" : «المدينة المليونية» منصة انطلاق لتحول السعودية إلى مركز تكنولوجي عالمي

مشروع "ذا لاين" فريد من نوعه ويمثل نموذجا حيا لتطوير المجتمع.

ما إن أعلن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، مشروع "ذا لاين"، حتى بدأ عديد من المؤسسات الاستثمارية الدولية ترتيب أوراقها والاستعداد لمرحلة نوعية جديدة من الاستثمار في السعودية.
ولا شك أن القيمة الاستثمارية الضخمة للمشروع كانت أحد عناصر الجذب التي تدفع تلك المؤسسات للاستعداد لضخ المليارات فيه، لكن الأمر لم يتوقف على القيمة المالية له، بل إن توقيته ونوعيته الفريدة لعبا دورا مهما في الاهتمام العالمي به، والرغبة العارمة في الاستثمار.
المشروع، ووفقا لتعليقات عديد من الخبراء الدوليين لـ"الاقتصادية"، لا يقف عند حدود المشاريع التكنولوجية التقليدية الجاذبة للاستثمار، إنما يمثل طرحا جديدا وفريدا في نوعه، ويمثل النواة الحقيقية لمدن المستقبل، وما يعرف بالتنمية الحضرية الحديثة.
ويعتقد بعض الخبراء بأن السؤال الذي طرحه ولي العهد السعودي، عند الكشف عن هذا المشروع، "لماذا نقبل أن نضحي بالطبيعة في سبيل التنمية؟"، لا يتعلق فقط بالرؤية التي تقف خلف مشروع "ذا لاين"، إنما يرتبط بحركة تاريخية ذات طابع مستقبلي، ترمي إلى التغلب على المعضلات التي واجهت إنشاء المدن وتطورها في القرن ونصف القرن الماضي، لكن الأكثر أهمية أنها تعمل على إيجاد توافق متناغم بين الإنسان والبيئة عبر جسر التكنولوجيا.
"الاقتصادية" استطلعت آراء عدد من الخبراء لمعرفة كيف ستتعامل المؤسسات المالية الدولية مع المشروع؟ ومدى استعدادها للمشاركة فيه؟ ورؤيتها الاقتصادية له؟ والفائدة الممكن أن يحققها ليس فقط من المنظور الاقتصادي، إنما لربط الاقتصاد بالإنسان والبيئة؟
الدكتورة جورجي بلير الخبيرة في مجال المدن والتنمية الحضرية، تعد أن طرح ولي العهد السعودي، منطقة نيوم عامة وأخيرا مشروع "ذا لاين"، فريد من نوعه، ويمثل نموذجا حيا يسعي إلى تطوير المجتمع، مع الأخذ في الحسبان المفاهيم الحديثة للتطور العمراني، التي تنصب على ربط تكامل العملية التنموية مع الاحتياجات الإنسانية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على التكامل البيئي، بل وتطويره.
وقالت لـ"الاقتصادية"، "كان هناك بعض المحاولات الدولية السابقة لهذا النمط التنموي، لكنها كانت محدودة، سواء من حيث النطاق أو المدى أو الإمكانات، والآن نحن نقف أمام تجربة فريدة من حيث أبعادها وطروحاتها التفصيلية، فالجانب الاستثماري الذي أعلنت القيادة السعودية أنه سيراوح بين 100 و200 مليار دولار، يعد استثنائيا في هذا السياق، لكن الصورة المتكاملة للمشروع والربط بين التكنولوجيا والتنمية، تعد أكثر جاذبية وذات طابع فريد في مجال التنمية الحضرية".
من جانبها، تنظر روهينا داس الخبيرة الاستثمارية، إلى المشروع السعودي من جانب التوقيت الزمني له بوصفه عامل فارق في قدرته على جذب عشرات المليارات من رؤوس الأموال الدولية للاستثمار فيه.
وذكرت لـ"الاقتصادية"، أن "طرح المشروع في الوقت الراهن، ومع أخذ التوقيت الزمني لتفعيله، نجد أنه يستبق بوضوح الانتعاش الاقتصادي المتوقع في الاقتصاد العالمي بعد حملات التطعيم الدولية ضد فيروس كورونا، التي سيأخذ نطاقها بالاتساع في الشهور المقبلة.
وأضافت "يبدو أن هناك قراءة سعودية ناضجة فيما يتعلق برغبة المؤسسات المالية الدولية الخاصة في الاستفادة من عوامل القوة المالية التي تراكمت لديها نتيجة الضخ المالي الذي قامت به الحكومات الغربية خلال الجائحة، والعامل الآخر انخفاض أسعار الفائدة الدولية، وكلا العاملين يعني أن تلك المؤسسات ستعمل على توسيع نطاقاتها الاستثمارية في الفترة المقبلة عبر الاستثمار في مجالات متنوعة وجديدة".
وأشارت إلى أن "الرؤية السعودية للأسواق الدولية لا تنفي أن الرياض تعول في الأساس على الاعتماد على القدرات المالية للدولة السعودية ذاتها، وذلك في إطار مساعيها التي تعمل ضمن رؤية المملكة 2030، ورغبتها في تنويع مصادر الدخل القومي السعودي، واعتماد أكثر كثافة وسرعة للتحول إلى المجالات التكنولوجية، الأكثر قدرة على إحداث طفرة حقيقية وأكثر رسوخا في مفردات الناتج المحلي الإجمالي، مع ضمان قنوات أكثر استقرارا للتوظيف والعمالة".
ولا تختلف رؤية الدكتور كونار أجناس أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة جلاسكو، عن رؤية الخبيرة الاستثمارية روهيناداس، لكنه ينظر إلى المشروع من زاوية مستقبلية متعلقة بالاقتصاد السعودي في العقود المقبلة والتوجهات التكنولوجية للاقتصاد المعاصر.
ويعد الدكتور كونار أن مشروع "ذا لاين" لا يقف عند كونه جزءا لا يتجزأ من مشروع منطقة نيوم، لكن الأكثر أهمية من وجهة نظره أنه جزء أصيل من رؤية مستقبلية لولي العهد السعودي، تتصف بالحداثة الاقتصادية، عبر ترسيخ الأنماط التكنولوجية المختلفة في مفاصل الاقتصاد السعودي.
وأوضح أن مشروع منطقة نيوم عامة و"ذا لاين" خصوصا، ما هما إلا المنصة التي سيرتكن عليها الاقتصاد السعودي في العقود المقبلة للانطلاق نحو تحول المملكة إلى مركز تكنولوجي عالمي.
والأمر لا يتوقف في الحقيقة - من وجهة نظر الدكتور كونار أجناس - على مشروع استثماري مالي فحسب، بل إن جهود ولي العهد، بالاتجاه نحو التكنولوجيا، ستساعد حتما على إعداد جيل جديد من الشباب السعودي، قادر على التعاطي بحرفية أعلى مع معطيات الاقتصاد الرقمي على أوسع نطاق.
والقضية لا تتعلق بنقل خبرات خارجية إلى داخل المملكة، هذا ربما يكون في المراحل الأولية، لكن الفكرة المركزية هي تعزيز القدرات الوطنية السعودية، حتى تتمتع المملكة بقدر أعلى من المزج بين التنوع الاقتصادي والاقتصاد الحديث.
ومع هذا، يحمل مشروع "ذا لاين" - من وجهة نظر بعض الخبراء - تحديات حقيقية تمتد من حداثة مفهوم المدن الصديقة للبيئة إلى الصعوبات التكنولوجية المحيطة بالبنية الأساسية للمشروع، انتهاء بتكلفته الاقتصادية الضخمة.
من ناحيته، أوضح لـ"الاقتصادية" بارلن نيل الخبير الهندسي في عمارة المدن، "لا يجب الاستهانة بهذا المشروع أو الاعتقاد بأنه سيكون سلسا أو سهل التنفيذ، وفي الواقع فإن صلابة القرار السعودي بالمضي قدما في تنفيذه ستكون الضمانة الأساسية لنجاحه.
وبين أنه عند التنفيذ، فإن الطابع التكنولوجي شديد التطور له، والتعقيدات المتعلقة برسم علاقة ناجحة بين الإنسان والبيئة عبر تطويع التكنولوجيا ليس لخدمة الإنسان فقط، إنما لحماية البيئة لتوفير أعلى درجات الرفاهية، وصرح لا يزال في لبناته الأولى، وهو ما يتطلب من العالم ضرورة مساندة الرياض في تلك التوجهات باعتبار أن المشروع لا يمثل فقط نجاحا للسعودية، في استشراف آفاق المستقبل والتعامل معها، بل إن السعودية تضع لبنات أساسية للتطور الإنساني عبر نجاح مشروع "ذا لاين".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية