Author

ما حجم الوظائف في الاقتصاد السعودي؟

|

سؤال قديم متجدد لا ينتهي، منذ الأيام الأولى لنشأة النظرية الاقتصادية، ما عدد العمال المطلوب لإنتاج قيمة ما، أو إنجاز عمل؟ هذا السؤال من نوع السهل الممتنع، لكني سأقدم تجربة غريبة جدا لرجل حكيم وهي قصة حقيقية، هذا الرجل اقتصادي من الدرجة الأولى رغم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم تكن له علاقة بالتجارة أو التجار، لكنه يفكر بعقل اقتصادي رشيد، فهو يحتاج إلى العمال في مزرعته من وقت لآخر، لكنه في أيام الصيف الطويلة يتعاقد مع العمال الذين يساعدونه في مزرعته باليومية - أي يكون الأجر باليوم - وفي أيام الشتاء القصيرة يتعاقد معهم بالساعة، وقد سئل عن هذا، فأجاب: أن في فترة الصيف يصبح اليوم طويلا، وعامل واحد قد يكفيني لأنجز عملي، فإذا تعاقدت معه باليومية كان الأجر أقل مما لو تعاقدت معه بالساعة، وفي الشتاء يصبح اليوم قصيرا، وعامل واحد لن ينجز المطلوب قبل المغرب فأحتاج إلى عمال أكثر، وإذا تعاقدت معهم باليومية خسرت، لكن الأجر بالساعة أوفر لي، هل الصورة واضحة الآن؟ بالعودة إلى السؤال فهل الصحيح أن نقول: ما عدد العمال المطلوب لتحقيق قيمة ما؟ أو نقول ما حجم العمل المطلوب؟ فالأعمال يمكن إنجازها بعامل واحد فقط، لكنه سيعمل ساعات طويلة، وهي الأعمال نفسها لو قام بها أكثر من عامل، حيث يتم تقسيم ساعات العمل بينهم. هذا هو الفرق بين السخرة والأجرة.
لكن ما الفائدة من هذه المقدمة؟ هل يمكن قبول أن الاقتصاد السعودي لم ينتج سوى 13.6 مليون وظيفة؟ بينما يتوزع السعوديون منهم بين 1.23 مليون مشتغل يتبعون أنظمة ولوائح الخدمة المدنية - حكومي - فيما نحو 1.98 مليون مشتغل في القطاع الخاص خاضعون لأنظمة ولوائح التأمينات الاجتماعية، والسؤال المطروح هنا: هل هذا مقبول اقتصاديا؟ كيف يمكن القول ويتم تشغيله فقط بـ 13 مليون عامل، مع احترمي وتقديري لكل الذكاء الاصطناعي والآلة لكني أرى أن الاقتصاد السعودي حاليا يتم تشغيله فعليا بأكثر من هذا الرقم، لكن - وإذا فقط - كيف تقاس الوظائف بعدد الساعات وليس بعدد العمال؟
المشكلة هي مفهوم عمال الشتاء والصيف، وهو أسلوب العمال الأجانب الذين يستطيعون من خلاله إقصاء الآلاف من الشباب السعودي المؤهل والقادر على العمل، أسلوب يتم فيه إخفاء حجم الوظائف الفعلي من أجل تعزيز احتكارها، إنه يشبه تماما عملية تخزين السلع وحجبها عن السوق، وكمفهوم أساسي للنقاش لا بد أن نتفق على أن الوظائف التي يحتاج إليها الاقتصاد السعودي يجب ألا تقاس باليومية ولا بالأجر الشهري بل بالساعة، ونظام العمل والعمال والأنظمة في كل مكان تؤكد أن الموظف لا يعمل أكثر من ثماني ساعات عمل في اليوم، و48 ساعة في الأسبوع، هنا ستختلف الأمور وتنكشف الأسرار. فالحقيقة: إن الوظائف تسجل دائما بالعامل وليس حسب ساعات العمل، وهذا فرق مؤثر جدا، فكثير من العمال الأجانب ينافسون السعوديين من خلال قدرتهم على العمل اليومي لأكثر من 18 ساعة، والعمل 126 ساعة في الأسبوع، وهو ما يعادل فعليا عمل ثلاثة موظفين، فالاقتصاد فعليا قد أنتج ثلاث وظائف، بينما العمال احتكروها بالكامل من خلال العمل المضني، ولن نسأل عن أسباب ذلك فهذه قضية اجتماعية أكثر منها اقتصادية، لكن المهم أن ندرك هناك مئات الآلاف من الوظائف هي مخفية تماما، ولا تسجل والسبب عدم وجود آلية واضحة جدا ودقيقة لقياس حجم الوظائف التي يحتاج إليها الاقتصاد السعودي، ليست بكفاءته الحالية فضلا عن معرفة عدد الوظائف التي نحتاج إليها لنضاعف حجم الناتج المحلي.
من هذا المنطلق فإن فكرة التوطين لم تزل قاصرة عن تحقيق معناها، والسبب هو عملية قياس الوظائف نفسها التي أراها عملية لم تحقق المأمول حتى الآن، فتوطين الوظائف المرتكز على مفهوم الإحلال بمعنى أن يتم إحلال موظف سعودي بدل الموظف الأجنبي هو مفهوم يجعل التوطين عملية صعبة وشاقة، فالمؤسسات الخاصة تظل تصرخ بشأن عدد الموظفين لديها، وأن موظفا سعوديا واحد كاف، وأجر الموظف السعودي مرتفع ولا بد من تدخل الدولة للدعم، ومثل هذا النقاش العقيم، لكن لو تم استخراج الوظائف الخفية، وإعادة استكشاف المفاهيم، فإننا سنجد آلاف الوظائف الخفية لدى مؤسسات القطاع الخاص، خاصة شركات التجزئة والمقاولات، التي تقوم بتعيين موظف سعودي وتحصل على نطاق أخضر، في الوقت الذي تقوم بتشغيل العمال الأجانب فوق عدد ساعات العمل المقرر نظاما، وليستمر القول: إن إنتاجية الموظف السعودي أقل وكفاءته أدنى والحقيقة أنه يراد منه أن يعمل في عمل يتطلب أكثر من موظف واحد في الوقت نفسه، ولو تم احتساب الوظائف بعدد الساعات التي يطلبها العمل فعلا وليس بعدد العمال الذي يعملون، فإن كثيرا جدا من الشركات ستخرج من النطاقات التي حققتها.
إنشرها