كيمياء الدماغ السياسية

|
شهدنا منذ أيام حربا ضروسا بين الجمهوريين والديمقراطيين في بلد الحريات السياسية والفكرية، لم يكن البعض يتوقعها. ولفهم ما حدث هناك وما يحدث في غيرها من البلدان في عصر الاضطرابات والانقسامات السياسية، اتجه العلماء بأبحاثهم إلى دراسة العلاقة بين النشاط العصبي للمخ والسلوك السياسي لدى البشر وأجريت أول تجربة عن السياسات العصبية عام 1979 قام بها روجر سبيري وزملاؤه على المرضى المصابين بحالة انفصال الدماغ.
وفي عام 1990 حاول العلماء دراسة عمل التمييز العنصري في الدماغ ولاحظوا من خلال الدراسة زيادة نشاط اللوزة المخية عند عرض صور أشخاص ذوي بشرة سوداء على أشخاص ذوي بشرة بيضاء أكثر منه عند عرض صور أشخاص بيض وهذا فعل عاطفي لا إرادي استمر 30 ثانية فقط بعدها تساوى التأثير، دليل على عمل مناطق الكبح والسيطرة في المخ.
فتحت دراسة وظائف الدماغ بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الطريق لفهم جديد لأنفسنا ولمجتمعاتنا. حيث قدمت أدوات علم الأعصاب لنا معرفة عميقة وغير مسبوقة عن عمل الدماغ البشري. حيث يمكننا الآن تحويل النقاشات والموضوعات الفلسفية البحتة وترجمتها بعبارات كيميائية عصبية وتشريحية، مكنتنا من فهم بعض جوانب البشر العاطفية والأخلاقية وردود أفعالهم أثناء الصدمة والعوامل التي تؤثر في صناعة القرار، والدافع نحو القوة السياسية، وذلك عبر ملاحظة التغيرات في الكيمياء العصبية والمسارات العصبية، والتحولات التشريحية العصبية داخل الدماغ.
ليأتي السؤال الأهم، هل هناك فرق أو تباين في تركيبة أمخاخ الأشخاص حسب انتماءاتهم السياسية أو الحزبية؟.
تشير الأبحاث الأولية إلى أن الزيادة في كمية المادة الرمادية في القشرة الأمامية يمكن أن ترتبط بميول أكثر نحو الليبرالية، بينما تمثل زيادتها في اللوزة المخية (المعنية بالعواطف) ارتباط الشخص بالقيم المحافظة.
هذا لا يعني أن نستسلم لميول أدمغتنا البدائية التي انتقلت إلينا عبر آلاف السنين. فأدمغتنا مرنة ومطواعة، لقد بدأ علم الأعصاب السياسي يتعمق إلى ما هو أبعد من قياس حجم اللوزة المخية ليصل إلى إجراء فحوص أكثر دقة على العمليات الإدراكية التي تقف وراء تفكيرنا السياسي وصنعنا القرار. لقد توصلوا إلى أن الانتماءات الحزبية والفكرية والأيديولوجية لا تؤثر في الصوت الانتخابي فقط، بل يمتد تأثيرها ليشمل ذاكرتنا، وطريقة تفكيرنا، حتى طريقة استيعابنا الحقائق.
صحيح أن معرفة ذلك ليست العصا السحرية التي ستوحدنا، لكن الباحثين يأملون أن مواصلة فهمنا الكيفية التي يؤثر بها الانتماء الحزبي في أمخاخنا قد تتيح لنا على الأقل إمكانية مقاومة التفكك وزيادة اللحمة الوطنية.
إنشرها