قمة العشرين

في قمة العشرين .. الرياض تحكي للعالم ريادة السعوديات

تقلصت الفجوة بين النساء والرجال في شغل الوظائف لنسبة 37 في المائة.

تولت المملكة العربية السعودية على مدار عام كامل قيادة مجموعة العشرين، التي تضم دولا متقدمة ونامية من جميع القارات، ويمثل أعضاء هذا التجمع الدولي زهاء 80 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي، ونحو ثلثي إجمالي سكان العالم، وثلاثة أرباع حجم التجارة العالمية، وأزيد من 80 في المائة من الاستثمارات العالمية. بهذه الأرقام يتجاوز هذا التجمع فكرة منتدى سنوي للنقاش والتشاور، ليتحول إلى محرك حقيقي، يحرص بديناميته المتجددة على ضمان استقرار واستدامة الحياة على كوكب الأرض.
لكن جائحة كورونا شلت مظاهر الحياة في الأركان الأربعة للعالم، وكشفت بالواضح عن أعطاب بالجملة، تكمن في شيطان التفاصيل، كما يقول المثل الفرنسي. وقف العالم بأسره خلال غزوة كورونا، منذ بداية العام الجاري، عند حقيقة الأرقام والنسب والمعدلات. فهذه الأخيرة خداعة، لأنها تظهر وجها واحدا من أوجه الحقيقة فقط. لقد عرت أحداث هذا العام أوضاع المرأة في العالم، وفضحت ما يعيشه نصف المجتمع، في مختلف البقاع، من حرمان وإقصاء وتهميش وهشاشة واستبعاد اجتماعي.
أوقف كورونا في ظرف قياسي كل الخطط والبرامج المحلية والإقليمية والدولية، فلا صوت يعلو على صوت كورونا، على مدار أشهر عام 2020، وحدث أن تصادفت هذه الجائحة مع قيادة المملكة العربية السعودية تجمع دول العشرين، الذي بدت دوله بما فيها الكبرى "أمريكا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا..." حائرة في كيفية التعامل مع الوباء. حيث مثلت القمة فرصة نادرة للمملكة، قصد مشاركة "رؤية 2030" مع العالم بأكمله، بعدما تبين للجميع أن مقومات هذه الخطة هي السبيل المثلى لمجموعة العشرين، بغية استعادة التوازن العالمي، وإعادة ضبط الإيقاع، بما يسمح باغتنام الفرص وتصحيح الخِلال وتدارك النواقص.
يعد العنصر البشري أول هذه الفرص التي ينبغي استغلالها، لذا جاء "تمكين الإنسان" في مقدمة محاور أشغال القمة، مع ما يعنيه ذلك من تهيئة الظروف للجميع من أجل تحقيق حياة كريمة. ابتداء لما كشفته جائحة كورونا من حال وأحوال المرأة التي تمثل نصف المجتمع، أضحى تمكين المرأة ودعم تمثيلها الاقتصادي على رأس أولويات قمة العشرين في الرياض. ومن حسن التدبير، كما يقال، أن يكون للدولة المحتضنة أشغال القمة سابق دُربة ودراية بشأن هذا الموضوع.
نعم، لقد صار بمقدور المملكة، بفضل توجيهات القيادة الجديدة للبلاد، أن تحكي قصتها للعالم، وتتقاسم تجربتها الفريدة، قياسا بالحيز الزمني الذي أنجزت فيه، مع أعضاء تجمع العشرين ومن خلالهم لباقي دول العالم، خاصة أن تمكين المرأة حضر بدرجات متفاوتة، كموضوع في مناقشات الأعوام الماضية، دون أن يتحقق فيه الشيء الكثير، وهذا ما انكشف بوضوح مع فيروس كورونا. لكن التعاطي مع الموضوع هذا العام مغاير لما يحدث في القمم السابقة. لجهة السياق، وما يحتمه من استعجالية التدخل قصد التصحيح، جراء تداعيات كورونا، ولجهة الدولة المنظمة وما تملكه من خبرة ومنجز عن التمكين الاجتماعي والاقتصادي للمرأة.
فلدى المملكة أكثر من مشروع وخطة بشأن تمكين النساء اجتماعيا، ودمجهن في سوق الشغل، ودعمهن للوصول إلى مواقع القيادة والمسؤولية وصناعة القرار. كانت بداية هذا التغيير مع برنامج التحول الوطني 2020، ثم جاءت "رؤية 2030" لتمضي قدما في رسم وتحديد معالم الطريق نحو رقي المرأة السعودية. وتجسد هذا على أرض الواقع، ففي غمرة توالي مؤشرات تراجع تمكين المرأة عالميا، بسبب تداعيات وباء كورونا، حققت المملكة أرقاما إيجابية، في الربع الأول من العام الجاري، وفق تقرير الهيئة العامة للإحصاء، فمؤشر حصة المرأة في سوق العمل ارتفع ليبلغ 27,5 في المائة، متجاوزا بذلك نسبة 24 في المائة المحددة كهدف. مؤشر زيادة مشاركة المرأة الاقتصادية في سوق العمل ارتفع بدوره، محققا نسبة 25,9 في المائة.
أكثر من ذلك، حققت الدولة نسبا جيدة فيما يخص تمكين المرأة في مهن الاقتصاد الجديد "الرقمي"، فالتقارير تفيد بأن نسبة السعوديات في وظائف الحكومة ارتفعت إلى 40٫3 في المائة برسم عام 2020، ما أسهم في تقليص الفجوة بين النساء والرجال إلى نسبة 37 في المائة، ما يضع المملكة ضمن 20 اقتصادا التي حققت تقدما وتوازنا بين الجنسين في توزيع مهن الاقتصاد الجديد.
من المتوقع أن تكون هذه الأرقام مجرد بداية لحضور المرأة السعودية، فالعودة إلى البيانات الصادرة عام 2014، عن منظمة اليونيسكو والبنك الدولي، حول النساء العربيات المهتمات بمجالات دراسة العلوم والهندسة والتكنولوجيا، نجدها تؤكد أن "الطالبات السعوديات شكلن 59 في المائة من إجمالي الطلاب المسجلين في تخصصات علوم الحاسب الآلي في المملكة العربية السعودية، فيما لا تتعدى نسبة التحاق الطالبات في المملكة المتحدة 16 في المائة، وفي الولايات المتحدة 14 في المائة من إجمالي عدد الطلاب".
لقيت هذه المنجزات إشادة وتنويها من البلغارية كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، التي أكدت أن "السعودية حققت تقدما في توظيف النساء"، موضحة أنه خلال عامين فقط حدث ارتفاع كبير في نسبة السعوديات اللاتي يعملن أو يسعين إلى الحصول على عمل، وكيف أن السعودية استحدثت تشريعا ضد التمييز في مكان العمل، وحظرت التمييز في الأجور على أساس نوع الجنس أو السن أو غيرها من العوامل. أثنى البنك الدولي من جانبه، في تقرير له بعنوان "المرأة والأعمال والقانون 2020" على ما تقوم به المملكة العربية السعودية في مجال تمكين النساء، مؤكدا أن منجزات العام الماضي بوأت المملكة مركزا متقدما بين الدول القائمة بالإصلاح على مستوى العالم.
لكل ما سبق، ينتظر أن تكون للمملكة بصمة خاصة في قمة مجموعة العشرين، بشأن موضوع تمكين المرأة ودعم تمثيلها الاقتصادي، فهذا رهان انخرطت فيه المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا. وأنجزت فيه الشيء الكثير، خلال الأعوام الماضية، قبل جائحة كورونا وقبل قمة مجموعة العشرين. فرصيد المنجزات لمصلحة المرأة السعودية نتيجة لـ"رؤية 2030" يجعل حديث المملكة ذا مصداقية عالية، فهو صادر عن دولة قامت بخطط ومبادرات صنعت التغيير.
صحيح أن تمكين المرأة يكون بخطط وبرامج واستراتيجيات، لكنه يحدث بمبادرات تحمل في طياتها كثيرا من الدلالات أيضا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من قمة العشرين