رئاسة «العشرين» وتشخيص الاقتصاد العالمي

|

ألقت جائحة كورونا بظلال ثقيلة على مسارات الاستثمار العالمية في معظم القطاعات، فالجميع منكب ومنشغل اليوم بالدعم من أجل ضمان تجاوز الجائحة بأقل خسائر ممكنة، وبقاء استمرار سلاسل الإمدادات العالمية دون أضرار هيكلية كبيرة. ولقد جاءت كلمة خادم الحرمين بمناسبة تسلم السعودية للبيان الختامي لمجموعة تواصل الأعمال B20 صريحة وواضحة وشاملة بشأن التحديات الكبيرة في مجال الاستثمار والأعمال والتجارة. فقد أدت الجائحة إلى اضطرابات في سلاسل الإمدادات والتوريد والتوقف شبه الكامل في قطاعات مثل السياحة والطيران، كما أدت إلى خلل واضطرابات واسعة النطاق في مؤشرات الأسواق العالمية. لكن رغم حدة الاضطرابات في الاستثمار وتدفق الأموال إلا أنه بقيادة السعودية ورئاستها مجموعة العشرين حيث تم العمل خلال هذه الدورة على سد الفجوة التمويلية في الصحة العالمية، ما أسهم في توفير مبلغ 21 مليار دولار لدعم إنتاج أدوات التشخيص والعلاج والأدوية واللقاحات وتوزيعها وإتاحتها للجميع. كما تم ضخ أيضا نحو 11 تريليون دولار لحماية الاقتصاد العالمي وأعطت مجموعة العشرين الأولوية للدول الأكثر فقرا وتضررا وحاجة من خلال مبادرة تاريخية لتعليق مدفوعات الديون بقيمة 14 مليار دولار، حيث قدمت هذه المبادرة إعفاءات لـ73 دولة مؤهلة. لقد كان الملك سلمان عازما من خلال قيادة المجموعة في هذه المرحلة التاريخية، من أجل التغلب على الصراعات الجانبية وعدم السماح للصراع التجاري بأن يقوض جهود الدعم والانتعاش العالمي، فلقد أكد الملك في كلمته عزم وتحرك السعودية إلى تعزيز مستويات النمو والازدهار من خلال التمكين والاستثمار في قطاعات جديدة، خصوصا تلك القطاعات التي ستقود التعافي العالمي وتحمي الدول من الأوبئة في المستقبل. ولهذا أكد الخطاب الملكي أن مجموعة العشرين ناقشت أفضل الممارسات لدعم انتعاش التجارة الدولية وتحفيز التنوع الاقتصادي وتعزيز الاستثمار الدولي، إضافة إلى دعم القدرة التنافسية الدولية للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. ومن المهم فهم الرسالة العميقة لهذه الكلمة الضافية، فهي رسالة تحمل الاطمئنان والثقة في المستقبل، في الوقت الذي يواجه الاستثمار العالمي ورأس المال كل هذا القلق من استمرار تداعيات الجائحة وعدم التوصل إلى لقاح حتى الآن. ومن اللافت في الكلمة أن اهتمام خادم الحرمين الشريفين يتجاوز رأس المال المادي إلى قضايا تنمية رأس المال البشري والاجتماعي ورأس المال الفكري، فقد أشار إلى أن هذه القضايا مجتمعة أساس لتقدم الاقتصاد العالمي ونموه. وأكد أن الهدف العام لرئاسة السعودية مجموعة العشرين هو اغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع، والعمل على تمكين الإنسان - خاصة النساء والشباب - فالتمكين الاقتصادي للشباب والمرأة هو إحدى أولويات سياسات مجموعة العشرين، بما في ذلك برامج وممكنات ريادة الأعمال، وحظر التمييز على أساس الجنس في الوصول إلى الخدمات المالية، مع حرص المجموعة على تقوية أنظمة الحماية الاجتماعية. وهنا السعودية في هذا المقام تقدم نفسها إحدى الدول النموذجية في هذا الاتجاه، فهي واحدة من ثلاث دول فقط على مستوى العالم في تطبيق هذا النهج. وفي مجال رأس المال الفكري تبنت استراتيجيات لمشاركة منافع الابتكار والتقدم التقني واستحداث برامج ومشاريع في مجالات تطوير الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. في هذه الكلمة التاريخية يظهر التصور الشمولي للاقتصاد العالمي الذي يتجاوز الحالة الراهنة مع الأخذ في الحسبان جميع التأثيرات المحتملة لها في المستقبل، فالسعودية تضع للعالم تصورات استراتيجية لضمان استدامة الاقتصاد العالمي، من خلال الاستثمار المتوازن في جميع أنواع رأس المال.

إنشرها