البنى التحتية والكفاءة الاقتصادية

|

قدرة أي اقتصاد على إنتاج الثروة والقيمة، تعتمد على كفاءة استخدام وسائل الإنتاج، وهذه الكفاءة تعني إنتاج أكبر قيمة ممكنة من استخدام أقل للموارد، وهي مجال التنافسية العالمية اليوم على الاستدامة. فقوة أي اقتصاد على الصمود أمام المتغيرات الاجتماعية والتقنية حتى المناخية والبيئية، ترتكز أساسا على مفهوم الاستدامة، حيث يتمكن المجتمع من الاستهلاك وتحسين معيشته مع بقاء موارده ووسائل الإنتاج لديه في أفضل حال، وهذه المعادلة هي التي تضع أي اقتصاد في نطاق الاقتصاد المتقدم أو المتخلف. ومن أهم وسائل الإنتاج ما يسمى البنى التحتية، وأفضل التعريفات لهذا المصطلح يشير إلى أنه، جميع المكونات المادية للأنظمة المترابطة، التي توفر السلع والخدمات الأساسية لتمكين، أو استدامة، أو تحسين الظروف المعيشية للمجتمع.

وعليه، فإن قدرة الاقتصاد على استخدام البنى التحتية لديه تعتمد على تحقيق أفضل استهلاك وتحسين ظروف الحياة، لتبقى هذه البنى صالحة للاستخدام أعواما أخرى. ويمكن النظر إلى الدول على أساس تلك التي استطاعت أن تطور بنى تحتية منتجة وفاعلة، ودول لم تزل في طور البناء، فالأولى بحاجة دائما إلى تخصيص جزء من الثروات التي تم إنتاجها في أي عام من أجل إعادة ضخها في إصلاح وصيانة البنى التحتية المستهلكة، بينما تحتاج الدول في طور النمو إلى أن ترفع من استثماراتها في هذه البنى التحتية حتى تكون قادرة على تعظيم قيمة ثرواتها في المستقبل، وهذه الأخيرة تسمى الاستثمار في رأس المال الإنتاجي. تشير التقارير والدراسات إلى أن التحول الرقمي، والاستدامة، والتركيبة السكانية، وزيادة عدد سكان المناطق الحضرية، هي المحركات الأساسية للاستثمار في رأس المال الإنتاجي، وستكون البنية التحتية المستقبلية لقطاع الاتصالات، أهم البنى التحتية التي تحقق متطلبات هذه المحركات الأربعة.

ولهذا، فإن القدرة على تمويل رأس المال الإنتاجي، ترتبط أساسا بأعباء الديون وتعثر الشركات والأسواق المالية والبنوك، فالدول التي لديها هذه المشكلات، تصبح غير قادرة على تحقيق مستويات مناسبة لتمويل رأس المال الإنتاجي، نظرا إلى أنها تتبنى سياسات تقشفية، وهذا سيقود إلى عدم تساو بين دول العالم في توزيع البنى التحتية القادرة على الاستدامة. ووفقا لتقرير نشرته "الاقتصادية"، تشير التوقعات الآن إلى أنه بحلول منتصف القرن الحالي، فإن إنفاق مجموعة السبع على البنية الأساسية، سيبلغ 69.3 تريليون دولار، بينما سيبلغ إنفاق مجموعة الدول الناشئة 138.2 تريليون دولار.

وأيا كان وضع الدولة، فإن حاجة العالم قد تصل إلى 250 تريليون دولار في أقل تقدير، لتلبية الحد الأدنى من التوسع في البنية التحتية حتى منتصف القرن الجاري، وهذا مرتبط بنمو تعداد السكان في العالم، ذلك أن هذا النمو يتطلب مزيدا من الاستهلاك الذي إذا لم يتم من خلال إنتاج جديد للثروات والقيمة، فإن العالم سيقوم حتما باستهلاك الأصول المتاحة له كافة، ما يسبب مشكلة للأجيال القادمة، وهذا ما تعمل عليه جميع المنظمات العالمية من أجل ضمان استدامة في الأصول الإنتاجية، وتنميتها باستمرار. وطبقا لتقرير "الاقتصادية"، أشارت التقارير الدولية إلى أنه بحلول عام 2050، فإن تعداد سكان العالم سيزيد بنحو ملياري نسمة تقريبا، أي بما يعادل 25 في المائة من إجمالي السكان حاليا، ومع زيادة الهجرة إلى المدن، فإن سكان المدن سيزيدون بنحو 50 في المائة، ما سيوجد احتياجات هائلة، وضغوطا خطيرة على البنية التحتية. ولهذا، لا بد أن يكون هناك ترابط واضح بين اتجاهات السكان وحركة الكتل البشرية، وبين اتجاهات الاستثمار في البنى التحتية، وحركة هذه الكتل البشرية ستقود إلى استهلاك شديد للموارد الاقتصادية، التي تحويها البنى التحتية.

هنا نود أن نلفت الانتباه إلى أن الصراعات الجيوسياسية، ستكون لها آثار مدمرة في المستقبل، فالدول والمناطق التي تعاني هذه الصراعات، ستكون الأقل حظا في التنمية المستدامة المرتكزة على البنى التحتية، وهذا سيؤدي إلى مزيد من الهجرة نحو المناطق والدول الأكثر استدامة، ما يقود إلى تزايد الضغوط هناك. لذلك، فإن العالم يجب أن يسعى كتلة واحدة، من خلال دول مجموعة العشرين، إلى الحد من الصراعات الإقليمية، وتنمية البنى التحتية في الدول الأكثر تضررا، من أجل الحد من حركة الكتل البشرية، وهو في مجمله يمنح البشرية وحدة واحدة، فرصا أفضل للاستدامة وحفظ حقوق الأجيال القادمة.

إنشرها