الطفل السليم

|
يواجه المجتمع تغييرات جذرية في السلوك بسبب المؤثرات البيئية والاجتماعية والتقنية، التي حولت حياة الناس إلى حالة من مواجهة مجاهيل كثيرة. كان الآباء يعرفون كل شيء. كان الواحد منا يتعلم كثيرا مع تقدم العمر، لنواجه اليوم حالة مختلفة تماما، أساسها التغيير السريع والممنهج لأساليب وسلوكيات الناس في عصر لا يسمح لمن يعيش فيه بأن يبتعد عن الواقع ولو فترة محدودة.
يحاول كثيرون أن يهربوا من هذا الواقع، باللجوء إلى مناطق بعيدة عن الزحام والضوضاء، وهو أمر ممكن لمن لم يعد لديهم ما يربطهم بالواقع المعاش، كالأبناء والبنات والوظائف والالتزامات الأخرى، التي يستجد مزيد منها باستمرار.
التربية والمسؤولية عن الأبناء والبنات، أصبحتا الشغل الشاغل للآباء والأمهات، وهما حالة مستجدة لم يكن يعرفها من سبقونا. إذ كان هناك حد فاصل بين اهتمام الآباء بالأبناء، ومرحلة رد الجميل من قبل الأبناء. هذا الأمر انتهى - غالبا - في المجتمعات العربية، وهو ما يجعل حياة الآباء سلسلة من المسؤوليات، لا تنتهي إلا بالوفاة.
شدني منشور هيئة حقوق الإنسان، الذي حدد عشرة حقوق يجب أن توفرها الأسرة للطفل لضمان نمو طبيعي وسليم، وقد يكون حاميا للوالدين من المقاضاة، وهو ما لم تذكره الهيئة في منشورها. المهم في المنشور هو، التزامه ببحث نقاط الأشكال كلها، التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في نشأته، وقد يكون بعضها مبالغا فيه وليس هناك ما يمكن قياسه به، لكنه يظل أمرا تحرص عليه الأسرة الناضجة والمسؤولة.
وجهت الهيئة الانتباه إلى مجموعة من المفاهيم، لكنها لم تركز على الاعتمادية التي هي نتيجة مجموع الحقوق التي طالبت بها الأسرة. يجب أن يؤدي تحقيق مجموعة الاحتياجات الاجتماعية والفكرية والنفسية والتربوية، وبقية الاحتياجات المحددة في المنشور، إلى الاعتمادية في سن مبكرة.
الاعتمادية هي، حالة من القدرة على التفريق بين الخطأ ونقيضه، والقدرة على فهم الواقع والتعامل معه، فوجود شاب في مرحلة مبكرة وهو غير قادر على الإسهام في سعادة وتوازن أسرته، أمر يدعو إلى القلق.
إن وجود العدد الكبير من الأطفال غير القادرين على التعامل مع المواقف الخطرة في بيئتهم، يولد الخوف من أن يتحول المجتمع المقبل إلى مجموعة من الأشخاص الذين يطالبون بالحقوق ولا يمنحونها غيرهم، أو من يجدون أنفسهم منفصلين عن الواقع وغير قادرين على التفاعل والاستجابة لمختلف المؤثرات.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها