الحزن والاكتئاب

|
أثار انتباهي تحذير قرأته الأيام الماضية من انزلاق الناس إلى حالة الاكتئاب التي لا تنتمي إلى حالة الحزن الطبيعية. لمعرفة الفرق بين الحالتين، أذكر أن الاكتئاب هو مرض نفسي يؤثر في توازن المصاب ذهنيا ثم يتدرج ليستهلكه بيولوجيا وفي مرحلة يتطور، ليسبب أضرارا نفسية وجسدية كبرى للمصاب ويؤثر في علاقاته الأسرية والاجتماعية. يستمر الاكتئاب فترة أطول ويؤثر في حياة الشخص اليومية، ويتسبب في إشكالات أخرى تسيء إلى طموح الشخص وتؤثر في سلوكياته وأنماط الأكل والنوم ويسبب الهيجان والتجاوزات الأخلاقية والانطواء الشديد، ومن ثم فقدان الاهتمام بالأشياء والأشخاص وأهم من ذلك فقدان الاهتمام بالذات سواء في المظهر أو السلوك أو التعاطي مع المؤثرات التي يمكن أن تدمر حياة الشخص بسبب البحث عن حلول لحالة الاكتئاب بوسائل غير نمطية وغير صحية.
يستمر الأثر في نحت حياة الإنسان الصحية والنفسية ما يفقده الرغبة في الحياة ويدفع إلى الانتحار وهذه من الآثار المتأخرة.
تأثير حالة الاكتئاب يستمر على مدار الساعة فهو لا يرتبط بمؤثر محدد أو حالة تعامل معينة، وإنما يستمر ليدمر علاقات الشخص مع الآخرين، إضافة إلى الأضرار التي ذكرتها سابقا.
استمرار حالة الاكتئاب يتجاوز لحظات الحزن أو حالات الفقد وإنما قد يؤدي للتلذذ بمثل هذه الحالات، بسبب انخفاض درجة التغيير في الحالة النفسية للمصاب كون حياته مظلمة بشكل كامل. كما يفقد معظم الأشخاص المصابين بالاكتئاب سيطرتهم على مشاعرهم وعواطفهم، حتى بعد البكاء والتحدث إلى أحبائهم، فإنهم يبذلون جهودا مضنية للعودة إلى حياتهم الطبيعية.
يحتاج المصاب بالاكتئاب إلى التدخل الطبي النفسي الذي يخفف من تقدم الحالة بل ويسهم في تراجعها بالوسائل المختبرة علميا. إن اللجوء لحلول غير علمية يفاقم في الغالب الحالة، وينمي لدى المصاب الشعور بعدم جدوى العلاج، ما يدفعه إلى دخول مراحل أخطر وأكثر صعوبة في التعامل.
أما ما يتعلق بحالة الحزن فهي جزء من تركيبة النفس البشرية، وهي ما يميز الإنسان كمخلوق اجتماعي يتعلق بما حوله ومن حوله ويهتم بالمحافظة على حالة من الاجتماع الذي يحقق له الضمانات النفسية تجاه حياته. يواجه الإنسان صعوبات في تغيير الواقع الذي يعيشه بسبب عوامل تربوية ونفسية ومجتمعية من أهمها الخبرات السابقة، وهو لهذا يتخوف من دخول حالة الحزن "المتوقعة" ما يدعوه لمحاربتها مبكرا.
هنا يكون الحزن طبيعيا كمقاوم للفقد والتغيير شرط ألا يصبح مسيطرا على التفكير ومسيرا للانفعالات وردود الأفعال تجاه الأشخاص والأشياء والأوضاع المحيطة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها