المتشددون وسيميوطيقية الكلمة

|
كثيرة هي المفردات التي استعارتها اللغة العربية من اللغات الأجنبية خصوصا الإنجليزية. أن تستعير لغة بسعة العربية من ألسنة أعجمية، فهذا لعمري ليس أمرا جديدا. لسان الضاد من السعة الاشتقاقية ما يمكنه من تحوير أو حتى تحويل الصوان ماء، ما يميز اللغة العربية عكس غيرها من اللغات، مقدرة فائقة واستعداد لا حد له لإغناء وإثراء معجمها بالاقتباس والإعارة. بيد أن ما كان يميز العربية في عصرها الذهبي - القرون الأولى من العهد العباسي في بغداد والأموي في الأندلس - لم يكن فقط ترحيبها بالمستورد من المفردات أو الأطر اللغوية الأعجمية، بل سعيها إلى توطينه كي يصبح كأنه عربي أصيل وهو أجنبي. لدينا كم هائل من التراث المترجم والمؤلف، فيه البرهان على أن العرب في تلك القرون جعلوا من لسانهم لغة عالمية مشتركة lingua franca كما هو حال الإنجليزية اليوم. وأنت تقرأ التراث تنتابك الدهشة لسلاسة اللغة وانسيابية الأفكار وسهولة تدفق المعاني. لن أستفيض في هذا الباب وقد نلجه في المستقبل، لكن ما دعاني إلى الاقتراب منه هي مفردة "المتشددون" في عنوان مقالنا لهذا الأسبوع. هذه المفردة بالذات ترد كثيرا في أدبيات الصحافة والإعلام والمضامير الثقافية والسياسية الأخرى في اللغة العربية اليوم. وهي ترجمة حرفية غير موفقة للمقابل الإنجليزي Extremists or fundamentalists. وقد نحتاج إلى سبر أغوار علم السيميوطيقا semiotics لإماطة اللثام عن الكم الهائل من السطوة اللغوية التي يلجأ إليها الأقوياء لفرض أيديولوجياتهم على الضعفاء. ببساطة شديدة، السيميوطيقا تقول لنا، إن عالمنا يتشكل من علامات، واللغة تكون صلب العلامات التي تشكلنا كبشر والواقع الاجتماعي الذي نعيشه. في السويد هناك إعلان حكومي يبرز فيه شخص ذو لون داكن مع مجموعة من السويديين البيض. الذي يرى الإعلان وليس له إلمام بالسيميوطيقا يصل إلى نتيجة مفادها أن الأجانب في السويد في بحبوحة، ولا أثر للتميز العنصري الذي يئن تحت وطأته الغرب خصوصا أمريكا. الإعلان دعاية تبثها الحكومة للتغطية على واقع يعاكس الصور التي يحملها، وها هي الجائحة تفتك بالأجانب في السويد قبل غيرهم، ويتفشى الفيروس الحامل للوباء في مناطقهم بنسب أعلى بكثير من المناطق التي يقطنها البيض من السويديين. وتعلمنا السيميوطيقا أننا قد نقع ضحايا العلامات لغوية كانت أم غيرها، والعلامات اليوم تحيطنا من كل حدب وصوب وتشكلنا وتحتم علينا النظر إلى الدنيا وواقعنا الاجتماعي كما يريد مروجوها لنا. وبينما تعني السيميوطيقا في ماهية العلامة وكيف أن شكلها شيء ورسالتها شيء آخر، فإنها قد تلعب دور الأيقونة، نطأطئ هامتنا أمامها ونقبلها على علاتها غير مدركين أنها من أكثر الأسلحة فتكا، لأنها تكدس معانيها السلطوية في مداركنا، كي نقبل وجهة نظر الأقوياء وأصحاب المصالح الذين يتلاعبون بمصائرنا. والذي فتح عيوننا إلى تراكم الغشاوة عليها وعقولنا كان الناقد والمفكر الفرنسي رونالد بارثيس صاحب نظرية سيميوطيقية خاصة به، برهن من خلالها كيف أن الحكومة الفرنسية تخدع شعبها من خلال بثها علامات - لغة وصورا وإعلانات - على أن استعمارها للجزائر ودول إفريقية أخرى رغم فظائعه أمر حميد. وهذا هو حال كلمة "متشددون" التي عرجت عليها في أعلاه. المعنى المعجمي لمفردة المتشدد في العربية الفصيحة يشير إلى الشخص القاسي وغير المتسامح، والمعلم وقسوته مع طلابه هو المثال الذي تضمه ثنايا أغلب المعاجم. ومفردة "المتشددون" علامة، لكن اكتست لباسا خلعته عليها لغة أخرى تنظر إلى العرب والمسلمين بسلبية لترى فيهم التشدد ليس بمثال المعلم مع التلاميذ، بل حسب نظرة ناطقي هذه اللغة الاستعلائية التي ترى أن التشدد extremism هو ظاهرة ثقافية عامة متأصلة في العرب والمسلمين. وهذا التشدد يولد العنف والإرهاب الذي تعانيه الدنيا، فإن لجأ المتشدد العربي إلى العنف صار إرهابيا terrorist دون نقاش. وإن لجأ الغربي إلى العنف، لن يصير إرهابيا إطلاقا. قد يصبح متشددا. نعود إلى السيميوطيقا التي قد تساعدنا على استيعاب واقعنا المرير، من خلال إثارة أسئلة محددة: لماذا لا تطلق الصحافة الغربية مصطلح إرهابي على أندش بيهرينج بريفيك الذي قتل 69 مدنيا بدم بارد في النرويج عام 2011، وكذلك تعزف بصورة عامة عن نعت منفذ مذبحة كرايستشيرش في نيوزيلندا التي راح ضحيتها 51 شخصا بريئا، وتكتفي بمفردة متشدد عند وصفها الفاعل والعملية؟ لماذا يجاري العرب الغرب عند اختراعه قياسات واشتقاقات أو ألفاظا جديدة أو مستحدثة ابتكرها ونحتها خصيصا لتوصيفهم بصورة غير حميدة، ويقبلون عليها ويقحمونها في خطابهم ويقبلونها على علاتها دون تمحيص؟ أظن أن العرب خصوصا جامعاتهم بحاجة ماسة إلى إدخال العلوم السيميوطيقية في المناهج التدريسية. لم ألحظ أثرا لهذا العلم بعد وجودي بكثافة في جامعة عربية في الخليج العربي.
إنشرها