أخبار اقتصادية- عالمية

النرويج.. نموذج أوروبي في رهان الطاقة المتجددة واستثمار رأس المال

هناك تحول مستمر في أنظمة الطاقة في عدد متزايد من البلدان حول العالم.

حتى قبل جائحة كورونا، كان من الواضح أن العالم يمر بمرحلة انتقالية يتحول فيها إلى الطاقة المتجددة والنظيفة، إلا أن مرحلة الانتقال يشوبها كثير من الجدل حتى الآن، سواء تعلق الأمر بسرعة عملية الانتقال أو عمقها، كما أن تأثير تلك المرحلة الانتقالية وما تحتويه من تطورات، في الدول الأوروبية واقتصاداتها، وكيفية التعامل مع عملية التغيير، بات محور الحديث شائكا بين الخبراء.
وارتفعت توقعات مصادر الطاقة المتجددة غير الكهرمائية، خاصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية بأكثر من 200 في المائة. ويمتد النقاش أيضا إلى الدور الذي يمكن أن يقوم به الغاز كجسر بين محطات توليد الكهرباء، التي تعمل بالفحم ونظيرتها العاملة بالطاقة المتجددة، بل قدرة الطاقة المتجددة على استبدال الفحم بشكل مباشر.
وتحقيق الأهداف المناخية الطموحة في الدول الأوروبية لإزالة الكربون والتصدي للانبعاثات الغازية خاصة من الصناعات الثقيلة تحديدا، سيتطلب الاعتماد على تقنيات لم تختبر بعد على نطاق واسع، والنجاح أو الإخفاق في تسويق تلك التكنولوجيات سيكون له تأثير في قطاعات اقتصادية محورية مثل الصناعات الثقيلة والتحويلية وعلى البنية التحتية وأساليب الإنتاج القائم.
وسط هذا المشهد تمتلك بعض الدول الأوروبية مثل النرويج وعلى الرغم من عدم عضويتها في الاتحاد الأوروبي وضعا مميزا. إذ تعد واحدة من أكبر مصدري الطاقة ورأس المال في العالم، وفي مجال الطاقة تحديدا تتمتع بوضع خاص، إذ لديها أحد أكثر قطاعات الطاقة الخالية من الكربون في أوروبا ازدهارا.
وموارد النرويج المتجددة وتحديدا من الطاقة الكهرمائية في المقام الأول، يجعلها جزءا مهما من سوق الطاقة في شمال أوروبا، ما يمكنها من تحقيق التوازن بين العرض والطلب سواء لصناعتها المحلية أو للصناعات السائدة في المنطقة.
ويتوقع أن تسهم التطورات في قطاع الطاقة عامة والمتجددة في حدوث تغيرات جذرية فيما يتعلق بتوزيع الهياكل الصناعية في القارة الأوروبية برمتها.
وهنا قال لـ«الاقتصادية» هاردي جامبون الخبير في شؤون الطاقة إنه "من المرجح أن يؤدي إنشاء خطوط كهرباء إضافية إلى ألمانيا والمملكة المتحدة إلى توسيع قدرات النرويج كمورد رئيس للكهرباء منخفضة الكربون إلى أوروبا، فالنرويج لديها القدرة على زيادة مرونة أسواق الكهرباء الأوروبية الداخلية، وهو أمر حيوي لتعزيز دور وحصة الطاقة المتجددة في قطاع الطاقة".
تسفر تلك التطورات في قطاع الطاقة عامة والمتجددة على وجه الخصوص، في حدوث تغيرات جذرية فيما يتعلق بتوزيع الهياكل الصناعية في القارة الأوروبية، فمع انخفاض تكاليف إنتاج الكهرباء القادمة من مصادر متجددة، قد تنتفي الميزة الاقتصادية لإنشاء صناعة ثقيلة في مناطق معينة من أوروبا مثل ألمانيا على سبيل المثال، وينجم عن ذلك انتقال الشركات إلى مناطق أخرى، تتصف بانخفاض أسعار الطاقة، إضافة إلى انخفاض أسعار الأيدي العاملة.
لكن أهمية النرويج وقراراتها في مجال الطاقة لا تقف عند قدرتها الإنتاجية سواء من الطاقة الأحفورية أو المتجددة وإنما تأتي من جانب آخر.
وأوضحت لـ«الاقتصادية» لينا هيدي الخبيرة الاستثمارية، أن "النرويج تلعب دورا مهما بوصفها مصدرا لرأس المال، فهي صاحبة أكبر صندوق سيادي في العالم، وسياسات النرويج وقرارات الاستثمار لديها يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي في القارة الأوروبية، خاصة في مجال الطاقة، ما قد يساعد على دعم الانتقال المنظم من خلال إداراتها الفعالة للمخاطر المالية المتعلقة بالمناخ، ومن ثم الاستثمار في القطاعات المنخفضة في الانبعاثات الغازية".
وأضافت، إذا يجب النظر إلى مستقبل النرويج كمنتج للطاقة ومستهلك ومصدر ومستثمر في السياق الأوسع لتحولات سوق الطاقة العالمية، لافتة إلى أن هناك تحولا مستمرا في أنظمة الطاقة في عدد متزايد من الدول حول العالم.
في المقابل، قال لـ«الاقتصادية» الدكتور ريدماين إيدي أستاذ اقتصادات الطاقة في جامعة كامبريدج إن "صادرات النرويج من النفط تكشف انخفاضا في الإنتاج منذ بداية القرن الـ21، ما يعكس نضوب حقول النرويج الطبيعية، ومن ثم آفاق الإنتاج في المستقبل وإمكانات التصدير ستستمر في الاعتماد على العوامل التقليدية التي تؤثر في الاستكشاف والتطوير، بما في ذلك مستوى الاهتمام الاستثماري إلى جانب التطورات التكنولوجية".
ورأى الدكتور ريدماين أن النرويج على الرغم من وضعها كمصدر جدير بالثقة لتصدير النفط للدول الأوروبية، إضافة إلى تمتعها بمزايا تنافسية مقارنة بالمنتجين الآخرين من أبرزها قربها من السوق الأوروبية، لن يحول دون تراجع دورها في مجال الصادرات النفطية في الأعوام المقبلة، سواء لتقلص قدرتها الإنتاجية، أو انخفاض الطلب الأوروبي على النفط بسرعة، بل سيتصاعد دورها في مجال تصدير الطاقة المتجددة للاقتصادات الأوروبية.
ويتضح فهم السلطات النرويجية لتلك التغيرات من الأداء الراهن لصندوق الثروة السيادية في النرويج، إذ عمل على تصفية استثماراته في مجال الوقود الأحفوري، بسحب استثماراته من شركات الفحم.
من جانبه، بين لـ«الاقتصادية» دانيال رادكليف الخبير المالي في بورصة لندن أن "الخطوة التي اتخذها الصندوق السيادي النرويجي في عدم الاستثمار في الفحم إشارة مهمة على أن الاستثمار فيه يتضمن الآن درجة متزايدة من المخاطرة مع تنامي الوعي العالمي بقضايا البيئة والمناخ، لكن في الوقت ذاته فإن السلوك الاستثماري للصندوق السيادي النرويجي فيما يتعلق بتخليه عن أسهمه في شركات تنقيب صغيرة مع الحفاظ على أنصبته في الشركات الدولية تثير تساؤلات بشأن فاعلية مثل تلك التحركات في إدارة المخاطر المالية".
لكن مع امتلاك الصندوق السيادي النرويجي أصولا مالية بنحو تريليون دولار، فإن تصفية استثماراته في بعض الجوانب المتعلقة بالفحم، واقتران ذلك بإعادة تخصيص رأس المال في مناطق اقتصادية أخرى متعلقة بالطاقة يكشف عن رغبة نرويجية حقيقية بدعم عملية التحول الراهنة في مجال الطاقة المتجددة، مع الحفاظ على دورها المميز كلاعب أساسي في سوق الطاقة الأوروبي خاصة في دول شمال القارة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية