رعب عودة الإغلاق

|

لا تبدو الأمور واضحة حيال مكافحة وباء كورونا المستجد، ورغم الإجراءات المقيدة كلها، التي اتخذتها الدول حول العالم لتقليل الإصابات جراء هذا الوباء، إلا أن التحذيرات تنطلق من كل جانب، من موجة وبائية جديدة ستكون أعنف من الأولى، بحسب أغلبية العلماء المختصين بهذا المجال.

كما تؤكد التحذيرات أن الفيروس لم ينته بعد، حيث لا يزال بعض الدول يتعامل مع التفشي الكبير للوباء، لكن حتى تلك التي تسيطر حاليا على الفيروس، تخشى الموجة الثانية. ومما لا شك فيه أن الأرقام السلبية كلها، التي سجلت في القطاعات المختلفة، تعقد الأمور أكثر، ومعظم دول العالم وحكوماتها باتت في حيرة، إذ تعمل جاهدة لفتح الأعمال وتحريك العجلة الاقتصادية للحد من آثار الجائحة. كما أنها في الوقت نفسه متخوفة من موجة ثانية قد تكون أقوى وأقسى من الأولى، وهذا الحال يثير القلق من أن الدول قد تغلق أبوابها واقتصاداتها مجددا في النصف الثاني من هذا العام في حال لم تعد قادرة على السيطرة على انتشار الفيروس.

وهناك سيناريوهات عدة، منها أن الحكومات باتت غير قادرة على تكبد مزيد من الخسائر، وسيناريو آخر أن صناع السياسة أصبحوا جاهزين لإدارة الأزمة والتعامل معها.

وتؤكد آخر الأرقام أن عدد الإصابات عالميا تزايد خلال الفترة الأخيرة بشكل مخيف من أي وقت مضى، الأمر الذي قد يجبر عديدا من الدول إلى تغيير خططها، ومنها الولايات المتحدة، التي أكد البيت الأبيض أنها لن تغلق البلاد في حال حدوث موجة ثانية من فيروس كورونا، على الرغم من أن عودة منحنى الإصابات بالفيروس فيها، أصبح مؤشرا مقلقا للجهات الرسمية، وللسكان على حد سواء.

وفي الأيام القليلة الماضية، أسرعت بعض الحكومات، ولا سيما في أوروبا، إلى إغلاق مناطق بأكملها، بعد أن ارتفعت أعداد المصابين فيها. يحدث هذا في بريطانيا التي قررت إعادة إغلاق مناطق شاسعة من الشمال الإنجليزي، خوفا من موجة جديدة.

في حين فرضت لندن قوانين الحجر على أي مسافر يأتي إليها من إسبانيا وبلجيكا، وعدد آخر من الدول خارج المجال الأوروبي. فالوضع الصحي لا يزال هشا على مستوى العالم، ولا بد من الاحتياط، على الرغم من الآثار الاقتصادية السلبية الهائلة للوباء في الساحة الدولية. ومع إعادة فتح أغلبية الاقتصادات العالمية، زاد القلق من الموجة الثانية، الأمر الذي زاد من اضطراب الأوضاع الاقتصادية، المضطربة أصلا. فالإغلاق الأول، أسفر عن خروج قطاعات بأكملها من السوق، لأن استحقاقات الوباء لم تعد تتناسب مع طبيعة هذه القطاعات، وأدى هذا إلى أعداد هائلة من العاطلين عن العمل، ومن أولئك الذين يعتمدون على المعونة الاجتماعية الحكومية.

ففي الولايات المتحدة وحدها، خرج 20 مليونا من سوق العمل في النصف الأول من العام الجاري. الموجة الأولى، أسفرت عن خسائر فادحة بلغت على المستوى الدولي أكثر من 12 تريليون دولار، في حين اقترضت الدول المتقدمة وحدها المبلغ نفسه تقريبا، من أجل حماية اقتصاداتها من الانهيار. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن 95 في المائة من الاقتصادات ستتعرض لصغر أحجامها بنهاية العام الحالي. كل الحكومات تخشى، وبرعب شديد، عودة الإغلاق الاقتصادي مجددا، فالركود الذي دخل فيه الاقتصاد العالمي هو الأعمق منذ أكثر من 80 عاما.

وأعلنت بريطانيا رسميا، أنه الأعمق فيها منذ 300 عام! والإغلاق الثاني الذي أصبح واردا الآن في أعقاب عدم السيطرة الكاملة على الوباء، يعني مزيدا من الخسائر، وكثيرا من الديون الحكومية، فضلا عن إمكانية خروج مزيد من القطاعات والمهن من السوق نهائيا. فحتى قطاع الطيران والسفر - على سبيل المثال - لن يتعافى، وفق منظمة الطيران العالمية، قبل 2024 على أقل تقدير، فضلا عن القطاعات الكبرى الأخرى، مثل صناعة السيارات والخدمات والمعارض والسياحة، وغيرها. علينا أن نتخيل لو أن الحكومات أجبرت على فرض قيود اقتصادية جديدة، في مواجهة موجة ثانية من الجائحة العالمية القاتلة صحيا واقتصاديا.

الحكومات حول العالم تحصي الخسائر يوميا، فعلى الساحة الأوروبية ضرب الركود الدول قاطبة، مع فروقات بسيطة جدا في مستويات الركود بين هذه الدولة وتلك.

فالاقتصاد الألماني انكمش في النصف الأول من العام الجاري 11 في المائة، والفرنسي أكثر من 13 في المائة، والبريطاني انكمش في شهر واحد فقط 20 في المائة. فضلا عن الاقتصادين الإيطالي، الذي يعاني مشكلات حتى قبل الوباء، والإسباني الذي يعاني هذه المشكلات نفسها.

وقبل أيام قليلة، أعلنت مؤسسة "فيتش" للتنصيف الائتماني، تخفيض مستوى الولايات المتحدة من مستقر إلى سلبي، وذلك مع إعلان واشنطن انكماش اقتصاد أمريكا 10 في المائة. وعلى هذا الأساس، لا توجد دولة مهما كان حجم اقتصادها وقوته، يمكنها تحمل موجة جديدة من كورونا بسهولة، والمؤشرات كلها تدل على أن هذه الموجة صارت واردة فعلا، مع بعض الإغلاقات التي تتم حاليا، فالآتي ربما سيكون أسوأ، على الصعيدين الصحي والاقتصادي.

إنشرها