مشهد نادر: الكسلان الحكيم

|
كثيرا ما نسمع ذكر الأسود والذئاب، وربما أسماك القرش والثيران عند الحديث عن القادة وأساليبهم الإدارية، وتستلهم الشركات من صور الحيوانات مفاهيم كالأصالة والسرعة في شعاراتها، فنجدها تستخدم الصقور والأرانب والكناغر. استعارة رمزية الحيوانات لتوصيل أو شرح بعض الدلائل والأفكار أمر مألوف في حياتنا، قد يرمز الحيوان للقوة أو السيطرة أو اللؤم والخبث، وغير ذلك من الصفات. ولكن آخر ما سمعت به هو القائد الذي يشبه حيوان الكسلان Sloth في سلوكه، كناية عن البطء والكسل - يشتهر هذا الحيوان الذي يشبه القرد أو الكوالا ببطء الحركة - وهو أبطأ الثدييات على الإطلاق. يعد البطء الشديد والكسل في عالم الأعمال انتحارا وحكما بالموت. فالوقت مسألة مهمة في رحلة البقاء وسبق أن أشرت إلى بعض ملامحها في مقال "ضبط التوقيت بين الركادة والتحرك السريع".
وعلى الرغم من أن البطء والكسل من إشارات الموت، إلا أن حيوان الكسلان ليس فريسة سهلة، كما يظن البعض. تتلذذ في الواقع نسور ونمور غابات الأمازون القوية بافتراس هذا الحيوان، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك يجيد استخدام كسله الظاهر للتخفي، أي إن كسله وبطأه وسيلة بقائه واختفائه بعيدا عن الأنظار. فهل يمكن أن يقصد صديقي هذا الذي شبه القائد الإداري بحيوان الكسلان مدحا وليس ذما؟ يقولون إن بعض السمات البيولوجية والسلوكية الخاصة بهذا الحيوان حافظت عليه من الانقراض طيلة الـ 64 مليون عام الماضية!
يستخدم هذا الحيوان حركته القليلة في الاختباء وتقليل ظهوره، لذا هو يستخدم استراتيجية "التخفي والكتمان" لقضاء أموره. وهو متكيف أيضا مع هذا الأمر، فالتمثيل الغذائي عنده أبطأ من الثدييات الأخرى. ومع أنه من ذوات الدم الحار، إلا أن سلوكه يشبه بعض ذوات الدم البارد، التي تحافظ على طاقة جسمها بتقليل الحركة، ودرجة حرارة جسمه الطبيعية تعد الأقل في عالم الثدييات، إذ تعادل تقريبا 32.7 درجة مئوية. وتعد دورة الجهاز الهضمي لديه من الأهدأ كذلك، إذ قد تستهلك معدته متعددة الحجرات إلى أكثر من 1200 ساعة لاستكمال دورة الإدخال والإخراج. هو كائن بخصائص استثنائية على المستوى التكتيكي والاستراتيجي يعرف كيف يجيرها للبقاء والاستمتاع بحياته، على الرغم من بطئه الشديد، الذي يراه الآخرون كسلا وغباء.
من سوء التقدير خلط بعضهم بين التكاسل والحكمة، وبين السرعة والهمة، لا أعتقد أن نموذج حيوان الكسلان المتوائم مع بيئته ينجح في عالم الأعمال السريع المتطلب، قد يناسب صنفا استثنائيا من الأعمال، مثل إدارة "دكان" صغير في زاوية السوق. ولكن قطعا ليس للصفقات الكبرى - فالفرص لا تحتمل الانتظار - ولا للأعمال التنظيمية المعقدة، فجمع العناصر البشرية والمعرفية والمادية لإنجاز قيمة موحدة ومهمة متناسقة لا ينجح إلا بضبط التوقيت وسرعة الاستجابة. ولكن، لماذا لا يصلح هذا النموذج؟ لأن هذه السياسات تصلح في الظروف الفردية، التي تتجاهل الصخب، وتحدث في بيئة أسرع ما يحدث فيها هو تساقط الأوراق الميتة، وأحيانا قطرات المطر التي تعيد المشهد إلى بدايته في كل مرة.
قد نتساءل: من الطبيعي أن الكسل صفة مذمومة في أي مكان وزمان، لماذا نجدها في عالم الأعمال ونجد من يبررها؟ أعتقد أن الكسل خداع. يحصل بغلاف الحكمة والروية والصبر. هذا الخلط الذي يحدث من كثير من القادة والمديرين هو ما يجعل الأمور تخرج عن السيطرة وهو ما يزيد من مخاطر الافتراس - والخسارة - الناتجة عن بطء الحركة والتفكير. الحكمة مطلوبة ولكن في اتخاذ القرار، ولا تعني تجاوزه. والروِية قد تكون مطلبا عند اختلاط الأمور لتحسين الفهم والتعامل مع الأمر بتركيز، ولكنها لا تعني تأجيل المناقشة لدورة المجلس المقبلة التي ستكون بعد ثلاثة أشهر. والصبر يعني تحمل الأثر الصعب والعسر الشديد لفترة مؤقتة، وليس تأجيل اتخاذ القرار الشجاع للموسم المقبل. أعتقد أن سمات حيوان الكسلان الظاهرة موجودة في مختلف طبقات الإدارة من المشرف الإداري حتى عضو مجلس المديرين، لكنه لا يملك أي منهم ما يخول الكسلان للاستفادة من كسله وبطئه. لهذا، من يتسم بهذه الصفات أراه أقرب للمخاطرة غير المبررة من التحفظ الذكي، وللتجاوز من الالتزام، وللخطأ من الصحة.
إنشرها