الأمن الغذائي للحاضر والمستقبل

|


أصبح تحقيق الأمن الغذائي يمثل هاجسا كبيرا لكثير من دول العالم، وذلك بسبب ظهور تحديات جديدة مع ازدياد الفجوة الغذائية التي يشهدها العالم، ولذلك تسعى كل الدول جاهدة إلى مواجهة تلك التحديات وتقليص الفجوة الغذائية من خلال خطة واستراتيجية وطنية فاعلة لتحقيق الأمن الغذائي فيها.

وتمتلك استراتيجية الأمن الغذائي في دول العالم هدفا يقتضي زيادة الجهود الخاصة بزراعة المحاصيل من أجل زيادة القدرات الخاصة بالتنافس والإنتاج، للوصول إلى اكتفاء في استهلاك المواد الغذائية، وتكمن أهمية الأمن الغذائي في التشجيع على الاستثمار لتوفير الغذاء بكميات أكبر ومجاراة الطلب المتزايد على السلع، حتى يتم توفير الغذاء في جميع الأوقات، وإن كانت تلك الأوقات خاصة بحالات الطوارئ.

ويعد مؤشر الأمن الغذائي العالمي مؤشرا مرجعيا مكونا من 34 مؤشرا وتقيس هذه العوامل الأمن الغذائي في أي دولة، وقد تم اختصار هذه المؤشرات في أربع مجموعات ثلاث منها تمثل القضايا الأساسية المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف، التوافر، والجودة، بينما تقيس المجموعة الرابعة المخاطر على الموارد الطبيعية وكيف تتكيف الدولة مع هذه المخاطر. وفي هذا الإطار حققت المملكة المرتبة الـ30 من بين 113 دولة تم قياس ممارستها في الأمن الغذائي، بينما حققت المرتبة الثامنة في المؤشر الفرعي المتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف.

وهذه المرتبة المتقدمة يمكن إيعازها إلى كل تلك الجهود التي تم بذلها منذ تأسيس الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني (سالك)، شركة مساهمة سعودية مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، على أن يكون نشاطها في مجال الاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني، وقد بدأ تشغيل شركة سالك في عام 2012 بالدخول في جميع حلقات سلسلة الاستثمار الزراعي في المشاريع الزراعية والإنتاج الحيواني كشركة متخصصة في مجال الاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني.

فهذه الاستثمارات التي تقوم بها الشركة حققت تقدما ملحوظا في قدرة المملكة على الاستثمار المؤسسي المخطط له بعناية في المجال الزراعي وهو ما حقق تقدما في مؤشر الأمن الغذائي، وفي هذا المسار وقعت الهيئة العامة للموانئ "موانئ" وشركة سالك اتفاقية تأجير بمساحة 313 ألف م² في ميناء ينبع التجاري وذلك بغرض إنشاء أول وأكبر محطة إقليمية لاستيراد ومعالجة وتصدير الحبوب في المملكة على مرحلتين بطاقة إجمالية تبلغ خمسة ملايين طن سنويا. وبالفعل تعد هذه الخطوة مهمة جدا وضرورية لاستكمال مسار سلسلة إنتاج القيمة في المجال الزراعي، حيث إنها تمكن الشركة من توريد الإنتاج من استثماراتها الزراعية كافة حول العالم إلى هذه المحطة الإقليمية ومن ثم يمكن إعادة تصديرها، كما أن هذه الاستراتيجية تعد من روافد منظومة الأمن الغذائي في المملكة. ذلك أنها تحقق تقدما ملحوظا في ترتيب المملكة في المؤشر العالمي في عامل التوفير، الذي جاءت المملكة فيه عند المرتبة الـ46، فالمشروع كما وصفه وزير البيئة والمياه والزراعة يهدف إلى تعزيز سرعة وصول الحبوب الرئيسة إلى السعودية وذلك عبر المحطة الجديدة التي تعد أول مركز إقليمي للحبوب في ميناء ينبع التجاري. وهذا الموقع يمكن المملكة من الربط بمصادر الحبوب العالمية خصوصا المناطق التي تستثمر فيها شركة سالك حاليا.

إن هذا الإنجاز مهم جدا دون أدنى شك وهو يحقق كثيرا من التقدم المنشود بشأن الأمن الغذائي الذي تخطط له المملكة ضمن "رؤية 2030"، وهو جهد بارز كأول مركز إقليمي ومنصة لوجستية لاستيراد ومعالجة وتصدير الحبوب في المملكة ويعد ميزة تنافسية، لكن لا يزال أمامنا الكثير مما يجب العمل عليه بشأن الأمن الغذائي، فمثلا لا تزال المملكة أقل من متوسط المعدل العالمي في البنى التحتية خاصة في أساليب الري، وهذا له ارتباط بمؤشر آخر لا يقل أهمية وهو مؤشر الإنفاق العام على البحث والتطوير الزراعي بما في ذلك خدمات البحوث والإرشاد الزراعي، وتطوير التكنولوجيا ومصارف الجينات النباتية والحيوانية من أجل تعزيز الزراعة والطاقة الإنتاجية، وهذا يشير إلى ضرورة الاهتمام بالابتكار والبحوث الموجهة نحو القطاع الزراعي والتكنولوجيا الزراعية، وما زال كثير من المنتوجات الزراعية يواجه آفات ضارة، ولم يحدث تقدم جوهري بشأن هذا، كما أن المملكة تواجه مخاطر استنزاف المياه الجوفية، وقبل أيام تمت الموافقة على الترتيبات التنظيمية بشأن زراعة القمح بدلا من الأعلاف، لكن هذا لا يقدم حلا جذريا ذلك أن التوقف عن زراعة الأعلاف سيتسبب في ضعف الإنتاج الحيواني، وهو مسألة لا تقل أهمية عن زراعة القمح، كما أنه جزء أصيل من الأمن الغذائي، لهذا فإن التقدم في مجالات الأبحاث والابتكار يعد أمرا ضروريا للتنمية الزراعية في المملكة وهنا لا بد أن تقدم الجامعات جهودا بحثية واضحة في هذا الشأن، حيث لم تزل الجامعات بعيدة وغائبة عن هذا المسار، وعليها أن تبذل جهودا مكثفة بما يحقق الطموحات والتطلعات ورؤية المملكة 2030 في الأمن الغذائي.

ومن أجل تحقيق مفهوم الأمن الغذائي الشامل ومواجهة تحدياته علينا تبني استراتيجية محكمة لبناء المخزون الغذائي لتأمين السلع الغذائية الأساسية وتوفيرها. وهذا سيوفر للسعودية الأمن المحدد لمكافحة تضخم الأسعار العالمية وتقليل الاستيراد من الدول المصدرة للغذاء.

إنشرها