أيقونات مجيدة أم مقيتة؟

|
رافق الفن حياة الإنسان منذ القدم. وكان الرسم والنحت جزءا من حياته وهو يعيش في الكهوف. ويبدع الإنسان عندما يلمس الريشة أو يمسك أداة النحت أو يعزف على وتر العود أو ينفخ في المزمار أو يقرض الشعر. والأمم تتباهى بفنونها وتبني المتاحف لتخليدها وتنشئ الأطفال على حب مقتنياتها. ولا أظن في إمكاننا تخيل بلد أو مدينة دون متحف.
ولا يكتفي بعض الأمم بالمتاحف المسقوفة، بل تعمل على تحويل ساحاتها وحدائقها العامة إلى ما يشبه معارض دائمة لنصب ومنحوتات وأيقونات تبجل الشخوص والرموز التي تمثلها في إشارة إلى ماضيها المجيد.
ونلهث وراء زيارة المتاحف والوقوف على أطلال المدن الأثرية والتحديق والتأمل في النصب والأيقونات واللوحات الفنية بصورة عامة لغايتين: الأولى إمتاع أنفسنا، والثانية الاطلاع وزيادة المعرفة.
ونتبنى عموما موقفين مختلفين منها: الأول الحب في إظهار ما نراه خيرا فينا، والآخر الكره للذي يختلف عنا.
ومن النادر أن نلحظ أن غاياتنا ومواقفنا يكتنفها كثير من الأيديولوجيا، حيث إن تشبثنا برموزنا وما تجسده لنا ما هو إلا فرض لنمط محدد من نظام فكري ونظري للحياة، ترافقه في الأغلب الممارسة على أرض الواقع. ويتجلى هذا في أي رمز في إمكاننا التواصل معه من المفردة اللغوية البسيطة مرورا بالعبارة والجملة والنص حتى الرمزية التي فيها. نحن نحتفي بتاريخنا وماضينا وشخوصنا ونخلد ذكراهم من خلال النصب والمنحوتات والأيقونات واللوحات وغيرها.
ومهما يكن موقفنا من الخطاب والفنون بأشكالها المختلفة ورمزيتها ذات المعاني العديدة، فإن الأيقونات عموما كانت ولا تزال جزءا من حياة البشر. أغلب البيوت تزينها الأيقونات من صور وتحف فنية وعاديات نبقيها معنا للذكرى مثلا أو لغيرها من الأغراض.
ونحن قلما نرى أن أيقوناتنا فيها ضرر، أو أن الرسالة التي توصلها إلينا قد تكون سببا في تهميش أو اضطهاد، أو حتى قتل وتدمير الآخر المختلف عنا. وهنا يكمن خطر الأيديولوجيا، حيث إن أغلب أضرارها كامنة ومستترة لدى أتباعها. ولا يتحسس بوقع الأيديولوجيا وثقل نيرها إلا الذين يقبعون تحت وصايتها. ولنأخذ الملك البلجيكي ليوبولد الثاني الذي كانت نصبه ومجسماته تزين المدن والساحات العامة حتى وقت قصير كمثال للطرح النظري لمقالنا لهذا الأسبوع.
هذا الملك، شأنه شأن كثير من الشخصيات التي يحتفي بها الغربيون من خلال النصب والمنحوتات والمجسمات، اقترف فظائع مهولة في الكونغو، حيث كان يرى ذوي البشرة السوداء من سكانها بمنزلة الحيوانات. وفي الحقيقة كان يملك حديقة حيوانات بشرية من المستعبدين من ذوي البشرة السمراء في قصره في العاصمة بروكسل، وكان يفخر بها أمام ندمائه وضيوفه وعلية قومه.
وبلجيكا دولة مدنية متحضرة ديمقراطية تطبق قانون الرخاء الاجتماعي، لكنها بقيت تحتفي بنصب تمثل ملكا ظالما متوحشا لنحو عشرة قرون قبل أن ينتفض أحفاد ذوي البشرة السمراء الذين استعبدهم، وهم مواطنون بلجيكيون، للانتقاص منه بهدم وتخريب بعض مجسماته.
أن يتحول الملك ليوبولد إلى أيقونة رغم الفظائع التي ارتكبها ليس أمرا غريبا ونادرا في تاريخنا البشري. أظن كل الأمم لا بد من أن أنتج تاريخها شخوصا لها بعض الشبه بهذا الوحش ولا تزال تحتفي بها.
بيد أن ما يكتب لبلجيكا من حسنة كانت استجابتها الفورية لرفع ما يرى أصحاب البشرة السمراء من سكانها أنه رمز من رموز اضطهادهم، فعمدت فورا إلى رفع كل مجسماته ومنحوتاته في الساحات العامة والشوارع والساحات وأودعتها المتاحف.
ولم تقف عند هذا الإجراء السليم فحسب، بل ستكون هناك لوحة توضيحية لدى كل مجسم تنقل للزائر تاريخ الملك ليوبولد في عيون الذين اضطهدهم واستعبدهم.
هل هذا كاف؟ كلا. يقول محللو الخطاب من الأكاديميين والمفكرين في الغرب. إنهم يحثون اليوم المؤسسات، خصوصا التعليمية والتربوية منها على تحليل وتفكيك ومن ثم رفع كل خطاب فيه رائحة العنصرية وكره الآخر، والمجسمات والأيقونات.
لم يكن الغرب في جدال وحوار حامي الوطيس لمراجعة النفس والتاريخ والأيقونات مثل ما هو عليه اليوم، بعد أن قام شرطي أمريكي بخنق المواطن جورج فلويد بوضع ركبته على عنقه لأكثر من ثماني دقائق رغم صراخه أنه لم يعد بإمكانه التنفس.
وأكاد أجزم أنه لم يكن لحدث في تاريخ الغرب بعد الحرب العالمية الثانية مثل التأثير الذي تركه مقتل فلويد، وأظن أن تبعاته ستكون محسوسة إلى أمد بعيد.
وها هي تطول الخطاب والأيقونات التي ترقى في أعين كثيرين إلى درجة القداسة. وصار الناس يتساءلون إن كان لتوصيفاتنا اللغوية ومنحوتاتنا ورسوماتنا وقع على تأصيل العنصرية والكره في أنفسنا.
وأخذ محللو الخطاب يفككون كل ما تقع عليه أعينهم، وها هم يبرهنون لنا أن بين أسطر التراث والخطاب والفن، الذي نبجله كرها وتهميشا لكل داكن البشرة وتحميدا، وتسبيحا لأصحاب البشرة البيضاء.
هل نقبل بهذا؟ حتى الآن الحملة على قدم وساق ضد عنصرية الأيقونات والخطاب الذي يرافقها.
هل ستأتي نيرانها على مؤسسية الكره والبغضاء والتهميش؟ والله لست أدري.
إنشرها