الفكر باعث السلوك

|
يمثل التفكير موضوعا قديما جديدا، تناوله الفلاسفة والمفكرون وعلماء النفس والتربويون، نظرا لأهميته الفائقة في حياة البشرية، بغض النظر عن الزمان والمكان، وذلك لقيمته في معرفة الأشياء المجهولة وكشف أسرارها وإيجاد الحلول للمشكلات، والحكم على الأشياء وتقدير قيمتها واتخاذ القرارات والتنبؤ، كما عد التفكير اللاغرضي أحد أنواع التفكير لكونه رياضة عقلية يتسلى بها الفرد ويقضي بها وقته، كما في بعض الألعاب قديمها وحديثها، طالما اعتمدت على نشاط ذهني يمارسه العقل، بغض النظر عن عمق وتعقيد أو شمولية ومحدودية العمليات التي يقوم بها العقل.
يخلط البعض بين التفكير والفكر ولا يميزون بينهما وهذا خطأ كبير، فالتفكير في معناه الصحيح هو العملية أو العمليات الذهنية التي يمارسها العقل، كالتخيل والتصور والحفظ والتذكر والإدراك وفهم الأشياء وتحليلها... إلخ، بينما الفكر هو الناتج الذي نحصل عليه من عمليات التفكير، وكما في الأدبيات يوجد فكر ماركسي وفكر لينيني وفكر رأسمالي وفكر ديني وفكر ليبرالي وفكر ماسوني، وغيرها مما تعج به الساحة العالمية.
كل فكر يشكل مذهبا له منهجه في فهم الظواهر وتفسيرها وفق منطلقاته ونظرته للكون والحياة، والعلاقات بين الأسباب والنتائج ونظرته لبنية المجتمع وتشكله وآليات نقضها، وتغييره، ليتشكل بحلة وثوب جديدين وبقيم ومفاهيم جديدة مختلفة عن السابق، بل ناسفة له حتى ولو كان المنهج متناقضا في ذاته، وعناصره غير متماسكة وبلا مرجعية مقنعة، أي أنه لا تتوافر فيه خصائص المنهج العلمي، ومن ذلك قول أحدهم، إن الأحداث تتم بصورة آلية ميكانيكية، ولو سئل كيف يكون ذلك لما أعطى مثالا يقبله العقل السليم.
ما من شك أن البشر يختلفون في مستويات تفكيرهم، من حيث توظيف العمليات العقلية العليا أو العمليات الدنيا، ومن حيث تعدد العمليات العقلية التي يقوم بها العقل في الوقت ذاته، كالفهم والتحليل والاستنباط والحكم، كما يختلفون أيضا في المواضيع التي يهتمون بالتفكير فيها، فمنهم من يقتصر على المحسوس والمشهود، ومنهم من يتعدى إلى التفكير في المجهول والمجرد وفيما يعرف بما وراء الطبيعة، ومنهم من يفكر في الشأن العام، وغيرهم يفكر في شؤونه الخاصة. ومن الفلاسفة منظرون بشأن الكون، إضافة إلى التفكير في القيم الاجتماعية والأخلاق، مع ما يعتري بعض الطروحات الفلسفية من تهميش للمسلمات، والمعتقدات الثابتة لدى الشعوب في سعي منهم لخلخلة الثوابت، والتشكيك في المعتقدات والمرتكزات الاجتماعية كما يفعل الملاحدة.
يستخدم البعض مصطلح التفكير المطلق أو الحر، ليعبر به عن حرية التفكير وهذا خلط شنيع، فالتفكير المطلق الذي عبرت عنه فيما سبق بتفكير الرياضة العقلية، أجزم أنه لا حدود ولا قيود عليه في كل أنحاء العالم، طالما مارسه الفرد بذاته ولم يسع لنشر الفكر الناتج عنه، خاصة إذا كان الفكر يتناقض مع مسلمات ومصالح المجتمع أو الأغلبية فيه، إذ تضع الدول الأنظمة والقيود التي تمنع انتشار وتأثير فكر شاذ، ومضر في تماسكه ومصالحه. وتجدر الإشارة إلى الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا، حيث كل واحد منهما يحارب إعلاميا وقانونيا ومعرفيا الفكر الذي يقوم عليه نظام كل منهما.
الغريب في الأمر أن بعض منظري التفكير المطلق، أو من يكتب عنه يصوره بعده تفكيرا يعتمد المنطق والعقل والتجريب وهذا تناقض معيب، فكيف يكون مطلقا ويلتزم في الوقت نفسه بحدود وقيود المنهج العلمي المتمثلة في، قواعد العقل وبديهيات المنطق وضوابط التجريب، فالعقل لا يقبل من شخص أن يقول، إن واحدا زائد واحد يساوي ثلاثة، ولا يقبل المنطق من مستثمر أن يعتمد على خياله - والخيال عملية عقلية - ليثبت سلامة الاستثمار في صيد الحمام في الربع الخالي، حيث الشمس المحرقة وقلة الغطاء النباتي وندرة المياه، فأين المنطق في هذا؟ كما أن شروط وضوابط المنهج التجريبي لا تنطبق البتة على التفكير المطلق وفق تعريف من يروج له.
التفكير الراشد المتعقل، الموضوعي هو ما تحتاج إليه المجتمعات، ولعل جولة في تاريخنا القديم تكشف لنا وجود جماعات كالخوارج والمعتزلة والقرامطة، الذين عاثوا في الأرض فسادا وقتلوا الحجيج ورموهم في بئر زمزم وسرقوا الحجر الأسود، نتيجة تفكير خاطئ ولد فكرة وجد من يتبناها، لتتحول إلى سلوك مدمر. كما أن واقعنا يعيش مآسي جماعات تحمل أفكارا شاذة، نتيجة عمليات تفكير غير منضبط، كداعش والحشد الشعبي والحوثي، حيث السلوكيات العدوانية والتخريبية وإهلاك الحرث والنسل. وما هذه إلا أمثلة يسيرة على افتقاد البعض التفكير الراشد، فهل من يطرحون التفكير المطلق المتحرر من الأنظمة والقيم والأعراف والقواعد العلمية، يرغبون في إيصالنا إلى هذه النتائج؟
عليه نقول، إن وراء كل سلوك مهما كان حسنا أو سيئا فكر يحركه، حتى إن إحدى مدارس علم النفس العلاجي تعرف بعلم النفس المعرفي السلوكي، ولذا كي نغير السلوك ونعدله علينا تغيير الفكرة أولا.
إنشرها