حان الوقت لإصلاح «منظمة التجارة»

|
"إن لم تتحسن قواعد منظمة التجارة العالمية، سأنسحب منها"
دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة
التحرك الراهن الذي تقوم به "مجموعة العشرين" على صعيد دفع إصلاحات في منظمة التجارة العالمية، سيلقى دعما عالميا كبيرا، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي تعاطى رئيسها دونالد ترمب مع هذه المنظمة كـ"عدو" لسياسته التجارية، أو في أفضل الأحوال كـ"معطل" لها. الجميع متفق على حتمية بدء إصلاحات عميقة في هذا الكيان الذي أدار بعزم طوال الأعوام الماضية الآلية التجارية الدولية، بصرف النظر عن "التظلمات" التي تأتي من هذه الدولة أو تلك بين الحين والآخر. فحتى عملية إنشاء المنظمة المذكورة استغرقت وقتا طويلا، ووصلت في بعض الأحيان إلى طرق مسدودة تماما، نتيجة الخلافات الدولية بشأن التعريفات والتسميات والعلاقات والتدخلات بين الدول وغير ذلك من قضايا تعج بالمشكلات. كانت مرحلة مخاض متعثرة وأحيانا مؤلمة.
قبل عامين تقريبا، كانت "منظمة التجارة" هدفا دائما للرئيس الأمريكي، الذي يعتقد أن بلاده تتعرض للظلم التجاري عبرها، بل مضى أبعد من ذلك، باتهام الإدارات الأمريكية السابقة (بما فيها الجمهورية)، بأنها لم تفعل شيئا على صعيد رفع هذا "الظلم"، ووصفها بأنها فاشلة. ووصلت تهديدات ترمب، إلى مستوى إعلانه إمكانية انسحابه من هذه المنظمة، بصرف النظر عن أي اعتبارات. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا الكيان العالمي فشل، بل على العكس، فقد أقرت جميع الدول (بما فيها الولايات المتحدة) بالنجاحات السابقة لها التي امتدت لعقود من الزمن. وشكلت طوال هذا العقود صمام أمان للعلاقات التجارية الدولية، وخصوصا في مجالات حل النزاعات بين الدول الأعضاء فيها، وصمدت بالفعل رغم كل التهديدات التي تعرضت لها.
لكن المشكلة الرئيسة (وهذا ما يدعم رؤية ترمب حيال المنظمة المذكورة)، أنها تواجه تحديات هائلة وخطيرة تمس وجودها ككيان دولي كبير، والسبب واضح، وهو أن آلياتها الأساسية صارت مع الزمن غير فعالة، الأمر الذي يستوجب التحرك لعملية إصلاح ربما تكون جذرية في المستقبل المنظور، ولا سيما أنها أنشئت أصلا لتوفير قواعد للتجارة العالمية، وبالطبع لحل الخلافات بين الدول المنضوية تحت لوائها، فضلا عن ضرورة وجود أدوات جديدة باتت حتمية، بسبب التحولات الاقتصادية العالمية، وحراك العلاقات الدولية بشكل عام، وظهور عوامل ومستجدات في الأعوام القليلة الماضية، لم تكن موجودة في وقت الإنشاء. كل هذا وغيره، يتطلب وجود خريطة طريق لإصلاح المنظمة كجهة موثوقة وديناميكية التفاعل مع المتغيرات على الساحة العالمية.
وتأتي المستجدات، بل الاستحقاقات التي تركتها الأزمة الاقتصادية الراهنة الناجمة عن تفشي وباء "كورونا" المستجد، ضمن أهم المتغيرات على الساحة حاليا، فضلا عن التراكمات السابقة التي باتت معالجتها أمرا ضروريا، بما في ذلك الحروب والمعارك التجارية الجارية بين دول كبرى محورية عالميا. فلم تستطع منظمة التجارة العالمية وقف هذه الحروب، بما في ذلك فشلها في إنهاء المعارك التجارية بين دول حليفة! فالأدوات التي استخدمتها في مواجهة ذلك تبدو قديمة لم تقدم شيئا يذكر لتهدئة الأجواء، وتخفيف التوتر بين المتخاصمين التجاريين. التوصيات كثيرة على صعيد الإصلاح، وكلها ستشكل بصورة أو بأخرى خريطة الطريق المنشودة، في ظل الجهود التي بدأتها حاليا "مجموعة العشرين"، الكيان الذي اتخذ زمام المبادرة الدولية منذ الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في 2008. حتى إن هناك توصية تطرح استبدال "منظمة التجارة" بكيان آخر.
هذه التوصية لم تتبلور بعد، وليس من المرجح الأخذ بها، إلا أن مجرد طرحها، يعني أن "منظمة التجارة" في مأزق حقيقي. ومسألة الإصلاحات لن تكون سهلة بالتأكيد، خصوصا قبل أن يتم الاتفاق على تحديد الموضوعات وأسباب الخلافات. وأهم شيء حاليا هو توفير أجواء الثقة بين الأطراف المعنية، لتكون "المنظمة" منصة ثقة حقيقية في مرحلة ما بعد الإصلاحات المنشودة. وهذا ما تؤكده "مجموعة العشرين"، التي شددت على "التعجيل في وضع قواعد عمل جديدة تواكب المتغيرات العالمية مع الحفاظ على المبادئ الأساسية". يضاف إلى ذلك بالطبع، وضع خطط عمل لتحقيق مقترحات الإصلاحات التي تقدمت بها دول "المجموعة" ليس الآن فقط، بل قبل ذلك بوقت طويل. فكثير من الدول طالب أيضا منذ أعوام بتلك العملية الإصلاحية المهمة.
كل هذا لا يعني بالطبع ضرب القواعد التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية. فهذه القواعد أساسية واستغرق العالم عقودا من الزمن للوصول إلى توافق دولي عليها. فالتحرك سيشمل (كما هو واضح من خلال طروحات المسؤولين في مجموعة العشرين) آليات جديدة تدفع بـ"المنظمة" إلى الأمام، وتوقف الانتقادات التي تتعرض لها من دول محورية. دون أن ننسى أن وباء "كورونا" بأزمته الاقتصادية التي صنعها، وفر قوة دفع لعملية الإصلاح المنشودة، بمعنى أنه نقلها إلى رأس قائمة الحراك الدولي الراهن. وفي كل الأحوال، الزمن الذي مضى من عمر منظمة التجارة العالمية، بحد ذاته، كاف لإجراء الإصلاحات بأسرع وقت ممكن، لكن لا بد من المرونة لدى كل الأطراف المعنية.
إنشرها