صناعات التعدين واستخراج الرمال

|
نادرا ما يتم التطرق إلى الحديث عن أكبر صناعة تعدين في العالم وربما أكثرها تدميرا، وهي صناعة استخراج الرمال. وتشكل الرمال - ذلك المورد البسيط المتوافر على نطاق واسع حول العالم - ما يقرب من 85 في المائة من جميع المواد المستخرجة من الأرض. ونظرا لأنها رخيصة جدا ومتاحة بسهولة، يتم استخراجها من قبل الجميع من أول رجل يحمل مجرفة إلى عمليات الاستخراج الآلية التي تتكلف ملايين الدولارات. وتستخدم معظم الرمال لصنع الخرسانة، لكن إزاحة الرمال تؤدي إلى تدمير كارثي للأنظمة البيئية الساحلية وبيئات قاع البحار والأنهار والتضاريس.
ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أنه يتم استخراج 40 مليار طن من الرمال كل عام، ولكن - لأن سوق الرمال فاسدة ولا مركزية وتكتنفها بعض السرية - لم تجر دراسات شاملة حتى الآن على عمليات استخراج وبيع الرمال. ومن أجل الحصول على رقم تقريبي، استخدمت الأمم المتحدة أرقام إنتاج ومبيعات الأسمنت العالمية لتقدير كمية الرمال التي يتم جمعها، حيث يتطلب كل طن من الأسمنت من ستة إلى سبعة أطنان من الرمل والحصى من أجل صنع الخرسانة.
ويمكن أن يؤدي استخراج الرمال، خاصة عندما يتم ذلك دون تنظيم أو إشراف إلى تدمير الأنهار، وتآكل الشواطئ والقضاء على النظم البيئية الساحلية. وقد اختفت 24 جزيرة إندونيسية على الأقل من الخريطة جراء بناء سنغافورة فقط.
ونظرا إلى أن تجريف الرمال يحدث في المقام الأول لأغراض البناء، فإن أعمال استخراج الرمال تستهدف النظم البيئية النهرية والساحلية، حيث تكون الرمال مثالية لهذه الأراضي. وتعد رمال الأنهار مثالية بشكل خاص للخرسانة، لأنها خشنة ولا تحتوي على الملح الذي يؤدي إلى تآكل المعادن ومواد البناء الأخرى. إضافة إلى إزعاج النظم البيئية في مجاري وضفاف الأنهار، فإن تغيير تدفق وسعات الأنهار يمكن أن يسبب الجفاف أو الفيضانات الكارثية، على الرغم من أنه نادر ما يتم إدراك كون استخراج الرمال يشكل عاملا مساهما في ذلك.
في ولاية كيرالا في الهند وجد أن الفيضان ناتج جزئيا عن أعمال التجريف، التي أخذت من الرمال من قاع النهر أكثر مما يمكن للنهر أن يحل محله بشكل طبيعي 40 مرة.
ويمكن أن يؤدي تجريف موائل أعشاب البحار أيضا إلى انجراف الرواسب لأميال، ما يتسبب في تآكل السواحل والتأثير سلبا في بعض الأنظمة البيئية مثل الشعاب المرجانية. كما أن التآكل وهبوط الأراضي وإدخال الآليات والمركبات الثقيلة في الموائل الحساسة يهدد أيضا سلامة البنية التحتية القريبة مثل الطرق والجسور.
وتتزايد أعمال التطوير والتوسع العمراني بسرعة في كل ركن من أركان العالم، لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من السكان ولإشباع معدلات الاستهلاك والتوسع التي لا تتوقف عن الصعود. ووفقا للأمم المتحدة فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في المدن يتجاوز أربعة أضعاف ما كان عليه في الخمسينيات. ويعيش أكثر من 50 في المائة من سكان العالم الآن في المناطق الحضرية، فضلا عن أنه من المتوقع أن ينتقل ثلاثة مليارات شخص إضافي إلى المدن في الـ30 عاما المقبلة.
وإضافة إلى تشييد المباني الجديدة، تستخدم الرمال أيضا في مشاريع توسيع الأراضي. وفي الصين يعد ردم الشعاب المرجانية بالرمال من الممارسات الشائعة لتسريع عملية توسيع الأراضي.
وأضافت سنغافورة أكثر من 50 ميلا مربعا من الأرض في العقود الأربعة الماضية، وتجاوزت ناطحات السحاب التي شيدت بها في الأعوام العشرة الماضية إجمالي ناطحات السحاب في مدينة نيويورك بالكامل، وهو إنجاز يتطلب استخدام أكثر من 500 مليون طن من الرمال. وكان إنشاء سنغافورة سريعا جدا لدرجة أن إندونيسيا وماليزيا وفيتنام حظرت تصدير الرمال، لكن أعمال الاستخراج انتقلت ببساطة إلى بحيرة بويانج على نهر اليانجتسي. وبحسب الصندوق العالمي للطبيعة، فإن هذه البحيرة هي أكبر منجم رملي في العالم، ولكنها مع الأسف تعد أيضا أكبر وجهة في آسيا للطيور المهاجرة. وقد تجاوزت أنشطة تجريف الرمال قدرة النهر على الاستشفاء بأكثر من الضعف في مناطق معينة، كما أدت إلى استنزاف أجزاء من البحيرة وخفض إنتاج مصائد الأسماك الرئيسة.
ويرى علماء البيئة النهرية، أن تجريف الرمال من بيئات الأنهار يجب أن يتم فقط في حدود حصة محددة مسبقا تسمح للنهر بتجديد الرواسب سنويا. إلا أن هذا الحجم المستدام لن يفي أبدا بحاجة البشرية غير المستدامة للتنمية.
إن الأمر يشبه قصة الإفراط نفسها في الصيد واستهلاك الغابات، وهي طريقة أخرى تتضح من خلالها أضرار التنمية غير المستدامة.
إن حجم المشكلة هائل وتبعات نقل كميات هائلة من المواد، التي تدعم الحياة والأرض من مكان إلى آخر واضحة بشكل صارخ، ولكن العالم لا يزال غافلا عن وظيفته ومدفوعا كالأعمى، بسبب الرغبة في تشييد المباني الجديدة والأحياء الواعدة.
إنشرها