الأوضاع المالية وحالات الإعسار «2 من 2»

|
هناك عدد من التطورات يمكن أن يسبب هبوطا في أسعار الأصول الخطرة. فالركود يمكن أن يكون أعمق وأطول مما يتوقع المستثمرون حاليا. ويمكن أن تظهر موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا، فتفرض إجراءات الاحتواء من جديد. ويمكن أن تؤدي التوترات الجغرافية – السياسية، أو اتساع نطاق القلاقل الاجتماعية كرد فعل لتصاعد عدم المساواة على مستوى العالم إلى إحداث تحول في المزاج السائد بين المستثمرين. وأخيرا، ربما يتضح أن توقعات السوق مفرطة في التفاؤل بشأن مدى الدعم الذي تقدمه البنوك المركزية، ما يقود المستثمرين إلى إعادة تقييم إقبالهم على المخاطرة وتسعيرهم للمخاطر.
ومن الممكن أن تؤدي إعادة التسعير تلك، خاصة إذا ضخمتها مواطن الضعف المالية، إلى تشديد حاد للأوضاع المالية، ومن ثم تقييد تدفق الائتمان إلى الاقتصاد. وقد يتسبب الضغط المالي في تفاقم الركود الاقتصادي الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق بالفعل، ما يزيد من صعوبة التعافي. وحول مواطن الضعف السابقة على الجائحة، فإن الجائحة لا تزال تكشف مواطن الضعف المالية السابقة عليها.
أولا، في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة على السواء، من الممكن أن تخرج أعباء ديون قطاعي الشركات والأسر عن نطاق السيطرة في حالة الانكماش الاقتصادي الحاد. فقد تصاعد دين الشركات الكلي على مدار عدة أعوام حتى بلغ مستويات مرتفعة تاريخية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. كذلك ارتفع دين الأسر في كثير من الاقتصادات، وبعضها يواجه الآن تباطؤا اقتصاديا بالغ الحدة. وأدى تدهور أساسيات الاقتصاد بالفعل إلى تخفيض المراتب الائتمانية للشركات، وهناك مخاطر تهدد باتساع نطاق التأثير في ملاءة قطاعي الشركات والأسر.
ثانيا، سيكون تحقق الأحداث الائتمانية بمنزلة اختبار لمدى صلابة القطاع المصرفي، لأنها تقيم كيف يؤدي دعم الحكومات لقطاعي الأسر والشركات إلى سداد المقترضين لقروضهم. وبدأت بعض البنوك الاستعداد لهذه العملية بالفعل، ويمثل تراجع أسعار أسهمها انعكاسا للزيادة المتوقعة في الضغوط على ربحيتها.
ثالثا، من الممكن أيضا أن تتأثر الشركات المالية غير المصرفية. وأصبحت هذه الكيانات تسهم بدور أكبر من ذي قبل في النظام المالي. ولكن نظرا لأن إقبالها على مواصلة تقديم الائتمان أثناء الهبوط الاقتصادي العميق لم تتعرض للاختبار بعد، فمن الممكن أن ينتهي بها الحال إلى تضخيم الضغوط القائمة. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي حدوث تصحيح حاد في أسعار الأصول إلى خروج تدفقات كبيرة من صناديق الاستثمار (كما رأينا في مطلع العام)، ويتسبب في موجة من مبيعات الأصول بأسعار بخسة.
رابعا، بينما تيسرت الأوضاع بوجه عام، فلا تزال المخاطر قائمة بالنسبة لبعض الأسواق الصاعدة والواعدة التي تواجه احتياجات أكثر إلحاحا لإعادة تمويل الديون. وسيكون تجديد ديونها أكثر تكلفة إذا ما حدث تشديد مفاجئ للأوضاع المالية. كذلك يتسم بعض هذه الدول بمستويات منخفضة من الاحتياطيات، ما يزيد من صعوبة التعامل مع خروج تدفقات الحافظة. وقد تتفاقم هذه الديناميكية من جراء تخفيض المراتب الائتمانية.
ينبغي أن تحقق الدول التوازن الصحيح بين الأولويات المتنافسة في إجراءاتها لمواجهة الجائحة، على أن تتنبه للاختيارات الممكنة وانعكاسات استمرار دعم الاقتصاد مع الحفاظ على الاستقرار المالي.
ولا شك أن الاستخدام غير المسبوق للأدوات غير التقليدية خفف الضربة التي وجهتها الجائحة للاقتصاد العالمي، وقلل من الخطر الفوري على النظام المالي العالمي، وهو الهدف المقصود من إجراءات السياسة. غير أن صناع السياسات ينبغي لهم التنبه لما يمكن أن يحدث من عواقب غير مقصودة، مثل استمرار تراكم مواطن الضعف المالي في ظل تيسير الأوضاع المالية. فمن الممكن أن يؤدي توقع استمرار الدعم من البنوك المركزية إلى تحويل تقييمات الأصول المفرطة أصلا إلى مواطن ضعف، ولا سيما في سياق استنفاد النظم المالية وقطاعات الشركات لما لديها من هوامش أمان أثناء الجائحة. وبمجرد أن يصبح التعافي جاريا، ينبغي أن يعجل صناع السياسات بمعالجة مواطن الهشاشة التي من شأنها غرس بذور المشكلات المستقبلية وتعريض النمو للخطر فيما بعد.
إنشرها