التلوث بجزيئات البلاستيك الدقيقة

|
لم يعد مصطلح البيئة "البكر" قابلا للتطبيق حتى على أكثر المواقع النائية على وجه الأرض، بعد أن أثبت بحث حديث أن المطر البلاستيكي أصبح يتدفق الآن في أكثر المناطق المحمية في غرب الولايات المتحدة. ويكشف البحث الذي نشر في مجلة "ساينس" أن 11 منطقة محمية في غرب الولايات المتحدة تستقبل أمطارا ملوثة بجزيئات البلاستيك الدقيقة.
في إطار هذا البحث وعلى مدى 14 شهرا جمع الباحثون عينات من مياه الأمطار من 11 موقعا جميعها من تلك المناطق التي يطلق عليها مصطلح بيئة بكر. وتوصل البحث إلى أن مياه الأمطار في هذه المناطق المحمية شديدة التلوث بجزيئات البلاستيك، وكشف الباحثون أن 11 منطقة محمية تستقبل أكثر من ألف طن متري من جزيئات البلاستيك الدقيقة كل عام.
وقالت جانيس براهني مديرة البحث وعالمة البيئة في جامعة يوتا: "لقد أجرينا البحث فقط في المناطق المحمية في الغرب، التي تمثل 6 في المائة فقط من إجمالي مساحة الولايات المتحدة". وتشير تصريحات براهني إلى أن المطر البلاستيكي قد يشكل مشكلة أكبر بكثير في المناطق غير المحمية.
ويؤكد هذا البحث الوضع المنتشر بالفعل حول العالم، حيث وجد عديد من الدراسات في الأعوام الأخيرة كميات متزايدة من جزيئات البلاستيك الدقيقة في مياه الأمطار، خاصة في الموائل المحمية مثل جبال البرانس الفرنسية والقطب الشمالي. وعندما تختلط جزيئات البلاستيك الدقيقة بالمطر فإنها تتدفق بكل حرية في الأنهار والمحيطات، وبالتالي فهي تؤثر في البيئة الطبيعية وفي أعمار كثير من الكائنات.
ويرى العلماء أن المطر البلاستيكي أصبح الآن مشكلة أكثر تعقيدا بكثير من المطر الحمضي. في العقود القليلة الماضية أدت الزيادة في كمية ثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النيتروجين في الغلاف الجوي إلى هطول الأمطار الحمضية في أجزاء كثيرة من العالم، ولكن لحسن الحظ نجحت الجهود المبذولة للسيطرة على انبعاث هذه الغازات في تقليل المطر الحمضي بشكل كبير.
أما مشكلة جزيئات البلاستيك الدقيقة فهي لسوء الحظ ليست مشكلة يمكن حلها بين عشية وضحاها، لأننا ليست لدينا آلية مناسبة لاحتجاز جزيئات البلاستيك الدقيقة العالقة في الغلاف الجوي، بل إن وقف إنتاج البلاستيك اليوم لن يشكل إلا نصف الحل. وما يفاقم الوضع هو أن العالم لا يزال ينتج ويستخدم البلاستيك بكميات كبيرة. وأشار منشور لشركة ماكينزي للاستشارات إلى أنه من المتوقع أن ترتفع النفايات البلاستيكية من 260 مليون طن في عام 2020 إلى نحو 460 مليون طن في عام 2030.
وعلى الرغم من أن البحث المنفذ حول المطر البلاستيكي تم إجراؤه فقط في عدد قليل من المواقع، إلا أنه يظهر خطورة الوضع. وإذا لم يتم اتخاذ إجراء للتحكم في إنتاج واستخدام البلاستيك، فعلينا أن ننتظر مستقبلا تملأ فيه جزيئات البلاستيك الدقيقة الماء والهواء.
وفي المملكة المتحدة وجد باحثون في دراسة جديدة حجما مذهلا من جزيئات البلاستيك الدقيقة في قاع البحر، وصل إلى 1.9 مليون قطعة في المتر المربع الواحد، ما يشكل أعلى مستوى مسجل حتى الآن.
وقال الدكتور إيان كين من جامعة مانشستر والمؤلف الرئيس للدراسة: "لقد صدمنا حقا من حجم جزيئات البلاستيك الدقيقة التي وجدناها مترسبة في قاع البحر العميق. لقد كان حجمها أعلى بكثير من أي حجم تم تسجيله من قبل". وكان الباحثون قد جمعوا عينات الدراسة من الرواسب في البحر التيراني قبالة الساحل الغربي لإيطاليا.
وفي حين أن دوامات القمامة المكونة من أكياس بلاستيكية وزجاجات وماصات بلاستيكية تعد أخبارا قديمة، يقول العلماء إن البلاستيك العائم لا يمثل حتى 1 في المائة من عشرة ملايين طن بلاستيك ينتهي مصيرها في المحيطات سنويا. ويبدو أن الدراسة الجديدة تؤكد ما شك فيه العلماء وأن أغلبية جزيئات البلاستيك الدقيقة تأتي من البلاستيك القابع في أعماق قاع البحر.
وتخلص الدراسة التي نشرت في مجلة "ساينس" إلى أن تيارات العكر العرضي - التي تشبه الانهيارات الثلجية تحت الماء - تنقل جزيئات البلاستيك الدقيقة بسرعة إلى قاع البحر، وبعد ذلك تعمل تيارات أعماق البحار مثل أحزمة النقل وتنقل جزيئات البلاستيك الدقيقة على طول قاع المحيط لتتراكم فيما أطلق عليه الباحثون "نقاط جزيئات البلاستيك الدقيقة". وتتكون معظم هذه الجزيئات البلاستيكية الدقيقة من ألياف الملابس والمنسوجات التي تفشل محطات معالجة مياه الصرف في احتجازها لأنها دقيقة جدا.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يربط فيها العلماء مباشرة تيارات الماء بتركيزات جزيئات البلاستيك الدقيقة في قاع البحر. ويأمل مؤلفو الدراسة أن تساعد هذه النتائج في التنبؤ بالنقاط المهمة المستقبلية ومدى تأثير جزيئات البلاستيك الدقيقة في الحياة البحرية.
وعلى الرغم من أن جزيئات البلاستيك هذه صغيرة جدا، إلا أنه يمكن أن يكون لها تأثير كبير. وقال كريس ثورن الناشط في مجال المحيطات في منظمة السلام الأخضر في المملكة المتحدة: "يمكن لعديد من الكائنات البحرية ابتلاع جزيئات البلاستيك الدقيقة، وقد ينتهي الأمر بأن تصل الملوثات الكيميائية التي تحملها هذه الجزيئات على طول السلسلة الغذائية إلى طعامنا نحن البشر". ودعا ثورن الجميع إلى إعادة التفكير في إيجاد طرق جديدة للتخلص من البلاستيك.
إنشرها