سد النهضة ونزاع دول حوض النيل

|

قبل البدء بالحديث عن سد النهضة، ينبغي أن نتذكر بعض الحقائق. تشترك في نهر النيل عشر دول، ويتغذى أطول أنهار العالم من مصدرين أساسيين: الأول، الهضبة الإثيوبية التي تشارك بالنسبة الكبرى من مياه نهر النيل، من خلال النيل الأزرق، وهو النهر الرئيس إلى جانب نهرين صغيرين آخرين. الثاني، هضبة البحيرات الاستوائية التي تشارك بنحو قليل نسبيا من المياه المتدفقة في نهر النيل. ويمثل نهر النيل أهمية كبيرة لمصر يلخصها هيرودوت، المؤرخ الإغريقي، بأن "مصر هبة النيل". ونظرا لهذه الأهمية، تعطي معاهدة 1929 وامتداداتها في 1959 مصر والسودان الحق في مياه النيل.
متى بدأت فكرة سد النهضة؟ ولماذا لم تبادر مصر بالمشاركة في قرار الإنشاء؟ تعود فكرة إنشاء السد إلى دراسة أمريكية شاملة لحوض النيل خلال الفترة 1958 – 1964، أي بعد عزم مصر إنشاء السد العالي، وجاءت الدراسة بتقرير شامل في سبعة مجلدات اشتملت على الهيدرولوجيا، والجيولوجيا، والموارد المعدنية، والمياه الجوفية، والحالتين الاجتماعية والاقتصادية، وانتهت إلى اقتراح أربعة سدود، أحدها هو سد النهضة.
وبعد ذلك بعقود بدأت عملية إنشاء سد النهضة من خلال شركة إيطالية هي ساليني Salini في 2011. ويعد من أضخم السدود في العالم، بطاقة استيعابية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، ويمتد على حوض بمساحة تصل إلى 1680 كيلو مترا مربعا، وعند تشغيله بالكامل سيوفر ستة آلاف ميجاواط من الكهرباء بما يكفي حاجة إثيوبيا وربما تصدر الفائض إلى الدول المجاورة، ولا يبتعد عن الحدود السودانية سوى 40 كيلو مترا، وهذا هو مبرر إنشاء السد من وجهة النظر الإثيوبية.
أما بالنسبة لوجهة نظر مصر، فإن السد سيخفض تدفق المياه في نهر النيل التي تمثل 90 في المائة من احتياجاتها المائية، ما يهدد أراضيها الزراعية بالجفاف، علاوة على تأثيره في حركة النقل في هذا الشريان الحيوي نتيجة انخفاض منسوب المياه، ويخشى أيضا أن يعطي هذا السد فرصة أكبر لإثيوبيا للتحكم في تدفق نهر النيل، خاصة أن مياه نهر النيل الأزرق تمثل النسبة الكبرى من مياه نهر النيل. ويضاف إلى ذلك خطورة انهياره، ففي حالة انهيار السد سيستغرق وصول المياه لمصر نحو 17 يوما، ما يزيد صعوبة التعامل مع الحدث من خلال تصريف جزء من مياه السد العالي أو استخدام مفيض "توشكى"، وتزداد الخطورة أن هناك قلقا حول معامل أمان السد، أدى إلى طلب الولايات المتحدة والبنك الدولي برفع معامل الأمان.
وتتركز نقطة الخلاف على رفض إثيوبيا المصادقة على الاتفاق حول عملية التشغيل وملء السد، وكذلك حول كمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا في النهر خلال فترات الجفاف. وتصر إثيوبيا على البدء بملء السد وتجريب توربينات توليد الكهرباء في 2021 ثم استكمال ملء السد للوصول إلى طاقته الاستيعابية (74 مليار متر مكعب) في 2024، وهو الأمر الذي ترفضه مصر وتقترح أن تستغرق العملية ما بين 7 و 15 عاما على الأقل مع خفض الطاقة الاستيعابية.
أهمية هذا النهر لكل من مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، فجرت أزمة بين دول حوض النيل تنذر بخطر الخيار العسكري، ما دعا إلى تدخل الولايات المتحدة كدولة وسيطة في المباحثات لإيجاد حلول ترضي الطرفين. فمن جهة، لا تخفى مماطلة إثيوبيا وتسويفها من أجل وضع مصر أمام الأمر الواقع، ومن جهة أخرى تحاول مصر إشراك دول أخرى في المفاوضات مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الإفريقية.
وفي ضوء خطورة الموقف وتأثيراته الاقتصادية والسياسية، فإن الخيارات المتاحة أمام الدول ينبغي ألا تشتمل على الخيار العسكري، بل لا بد أن تتركز الحلول حول المبادرة لعقد مؤتمر دولي أو تشكيل لجنة دولية تنظر بموضوعية لمطالب مصر العادلة، وتقوم بتقييم معامل أمان السد، خاصة أن جامعة أديس أبابا ستنظم مؤتمرا دوليا خلال آب (أغسطس) المقبل. وأخيرا لعل من أفضل الخيارات وجود لجنة مشتركة تشرف على تشغيل السد من قبل الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان، بعد الاتفاق على حصص كل دولة من مياه النيل.

إنشرها