مؤشرات الابتكار في الشركات

|
المؤشرات وسائل للتقييم والقياس والتعرف المحدد على خصائص حالة وحدة استراتيجية في إطار موضوع معين. وللوحدة المستهدفة مستويات تبدأ بمستوى الإنسان وتصعد إلى مستوى المؤسسة أو الشركة أو الدولة أو حتى العالم بأسره. الوحدة الاستراتيجية المقصودة في هذا المقال هي الشركة، والموضوع المطروح بشأنها هو الابتكار. ولا شك أن قياس الابتكار وتقييمه في الشركات أمر مهم للغاية، لأن الابتكار هو محرك التجدد والتميز فيها، كما أنه وسيلة نموها وإسهامها في تنمية دولها. وقد كان الابتكار موضوعا مهما من الموضوعات التي طرحتها هذه الصفحة في عدد من المقالات السابقة.
بعد المقال المعنون دليل آخر لتقييم الابتكار في دول العالم، والمنشور على هذه الصفحة في 27 شباط (فبراير) 2020، سررت بتلقي رسالة عبر البريد الإلكتروني من المهندس عبدالرحمن عامر بقنه تتضمن إخباري عن قيامه بدراسة موضوع مؤشرات الابتكار في الشركات السعودية في بحثه للماجستير التي أنجزه عام 2011، بإشراف الدكتور جهاد بني هاني في كلية الأمير سلطان للسياحة والإدارة في جدة، التابعة لجامعة الفيصل. وكان من دواعي سعادتي بهذه الرسالة أيضا وجود نسخة إلكترونية من بحث الماجستير مرفقة بها.
ما إن بدأت في قراءة البحث حتى شدني إلى إتمام قراءته والاطلاع على ما بذل فيه من جهد في: مراجعة أدبيات الموضوع، وتصنيفها، وتوثيقها ووضع منهجية لاختيار المؤشرات المناسبة مما هو متاح بشأنها، والاجتهاد في إضافة مؤشرات أخرى إلى ما تم اختياره، ثم تنفيذ دراسة ميدانية لآراء أصحاب العلاقة في المؤشرات، شملت عددا من الشركات السعودية لتحديد المناسب منها وإجراء دراسات إحصائية لتحديد النتائج المتمثلة في المؤشرات المعتمدة إضافة إلى تحليل هذه النتائج، وعرض ما تم التوصل إليه.
طرح البحث 30 مؤشرا لتقييم الابتكار في الشركات السعودية، وبين أهمية كل منهم لأصحاب العلاقة في الشركات، التي شاركت في الدراسة الميدانية. وسنستعرض جميع هذه المؤشرات فيما يلي، من أجل تعميم الاستفادة منها كما سنقدم بعض الملاحظات حول مزيد من البحث بشأنها في المستقبل، خصوصا مع تزايد الاهتمام، في الأعوام الأخيرة بتفعيل الابتكار في الشركات من أجل تعزيز نجاحها ونموها، ودعم إسهامها في التنمية المنشودة.
قسم البحث مؤشرات الابتكار في الشركات إلى قسمين رئيسين: قسم يضم المؤشرات التي تهتم بتمكين الابتكار وأسماه المدخلات، وقسم يركز على المؤشرات الخاصة بمعطيات الابتكار وأسماه المخرجات. ويشبه هذا التقسيم في شكله العام تقسيم المؤشرات في دليل الابتكار العالمي GII، الذي يهتم بالوحدات الاستراتيجية على مستوى الدول، وليس على مستوى الشركات. وقد بلغ عدد مؤشرات المدخلات التي قدمها البحث 23 مؤشرا، يمكن تقسيمها إلى: مؤشرات عامة ومؤشرات ترتبط بالعاملين، إضافة إلى مؤشرات تتعلق بنشاطات التطوير. أما مؤشرات المخرجات فقد بلغ عددها سبعة مؤشرات.
هناك في المدخلات تسعة مؤشرات عامة، وتشمل هذه المؤشرات: مؤشرا حول وجود استراتيجية خاصة بالابتكار لدى الشركة، وآخر حول عملها في قطاع مجد يناسب الابتكار، وثالثا بشأن اتباعها منهجية لإدارة المشاريع، ورابعا حول التزامها بمعايير الجودة العالمية، ثم خامسا بشأن التزامها في مدونتها الخاصة بأخلاقيات وتشريعات العمل، وسادسا حول عدد أعوام عملها، ثم سابعا حول عدد فروعها، وثامنا بشأن مدى توافر المواد والأجهزة والأدوات اللازمة لديها، وأخيرا تاسعا حول إقامتها للشراكات والتحالفات مع جهات أخرى. وتضم المدخلات أيضا ثمانية مؤشرات ترتبط بالعاملين. وهذه المؤشرات هي: نسبة المهندسين إلى الموظفين، ونسبة عدد الحواسيب إلى عدد الموظفين، ونسبة منافذ الإنترنت إلى الحواسيب، ومعدل الساعات التدريبية لكل موظف وحرية الموظف في تصميم بيئة عمله وكفاءة وفاعلية نظام المكافآت، ومقدار تنوع الجنسيات والثقافات بين العاملين وعدد مقترحات الموظفين والعملاء.
وهناك بعد ذلك ستة مؤشرات تتعلق بنشاطات التطوير في الشركة. وتشمل هذه المؤشرات: عدد مشاريع التطوير، ونسبة ما ينفق على التطوير، وعدد اجتماعات تبادل الأفكار، وعدد المشاركات في المؤتمرات والمعارض، وعدد الأنشطة الترفيهية، إضافة إلى المدة الزمنية التي تستغرقها منتجات الشركة كي تصل إلى السوق.
ونأتي إلى المخرجات التي تتضمن سبعة مؤشرات هي: عدد براءات الاختراع ومقدار الحصة السوقية للشركة، ومعدل زيادة مبيعات منتجات الشركة الحديثة، وعدد المشكلات الفنية التي تم حلها وما يقال عن الشركة من إيجابيات، إضافة إلى تنوع المنتجات.
إن نظرة إلى المؤشرات الـ 30 التي أوردها البحث تعطي رؤية واسعة النطاق إلى قضايا الابتكار في الشركات، وهذه الرؤية معززة بمراجع وأفكار متعددة من جهة، وبآراء أصحاب العلاقة في الشركات السعودية من جهة أخرى. وعلى الرغم من أهميتها، إلا أنها لا تبدو كافية إذا أخذنا في الحسبان ما حدث من مستجدات حول الموضوع خلال الأعوام الأخيرة بعد أن تم إنجاز البحث. تتمثل هذه المستجدات في التوجه نحو وضع معايير لإدارة الابتكار في الشركات والمؤسسات، ودعوتها إلى تبني هذه المعايير، من أجل تفعيل إمكاناتها وتعزيز قدراتها على تقديم مبتكرات مفيدة غير مسبوقة. جاءت بداية هذا التوجه مع إصدار اللجنة الأوروبية للمواصفات المعيارية CEN، لمثل هذه المعايير ابتداء من عام 2013، ثم قيام المنظمة الدولية للمواصفات المعيارية ISO بمثل ذلك ابتداء من عام 2019. وعلى الرغم من أن هذه المعايير تأتي كتوصيات عامة، وليس كمؤشرات محددة، على الأقل حتى الآن، إلا أن الأفكار التي تطرحها يمكن أن تفرز مؤشرات متميزة.
نحتاج اليوم إلى بحث جديد، وربما إلى أكثر من بحث واحد، في هذا المجال. نقطة الانطلاق في ذلك هي استيعاب كل ما جرى ويجري بشأن: الابتكار ومؤشراته، ومعايير إدارته وتفعيله، وأساليب الارتقاء بإمكانات الإنسان المتميز لأنه مصدر توليده. والغاية بعد ذلك هي تقديم مؤشرات جديدة، وقابلة للتجدد استجابة للمتطلبات، تهتم بتقييم الابتكار في المؤسسات والشركات، وعلى مستوى الأوطان، لتقدم حلولا تؤدي إلى تفعيله وتعزيز عطائه وتحقيق التنمية المنشودة.
إنشرها