الطاقة النظيفة والمسار التنازلي للفحم

|
بعد أن تخلت بلجيكا تماما عن محطات الطاقة العاملة بالفحم لمصلحة مصادر الطاقة المتجددة لتصبح أول دولة أوروبية تقوم بذلك، أضافت القارة الأوروبية أخيرا الدولتين الثانية والثالثة إلى هذه القائمة، حيث أغلق كل من السويد والنمسا آخر محطاتهما العاملة بالفحم أواخر نيسان (أبريل).
وقالت كاثرين جوتمان مديرة حملة أوروبا ما بعد الفحم لمجلة "بي في" المعنية بالتقنيات الكهروضوئية، "إن تخلي السويد عن محطات الطاقة العاملة بالفحم في الأسبوع نفسه الذي تفعل النمسا فيه الشيء نفسه، يجعل المسار التنازلي للفحم في أوروبا جليا وواضحا. وفي ظل التحديات الصحية الخطيرة التي تواجهنا حاليا، فإن التخلي عن الفحم لمصلحة مصادر الطاقة المتجددة هو القرار الصحيح الذي يمكنه تعويضنا بشكل عيني من خلال تحسين الصحة العامة وحماية المناخ وإكساب الاقتصادات مرونة أكثر".
وفي الأصل كانت السويد قد خططت للتخلي الكامل عن محطات الطاقة العاملة بالفحم عام 2022، لكنها تمكنت من تحقيق هذا الهدف قبل عامين من الموعد المحدد. وذلك لأن الشتاء الأخير في السويد جاء معتدلا، ما أذن بالاستغناء عن آخر محطة طاقة عاملة بالفحم شرق ستوكهولم والتابعة لشركة إكسيرجي لعدم الحاجة إلى استخدامها هذا العام. وكانت هذه المحطة قد افتتحت عام 1989.
إضافة إلى أن ارتفاع الوعي البيئي قلل من شعبية الفحم، وأدت قوى السوق إلى رفع التكاليف التشغيلية لمحطات الطاقة العاملة بالفحم. وتظهر الإحصائيات الصادرة عن مركز تعقب الكربون التابع لمركز الأبحاث في المملكة المتحدة أن 40 في المائة من محطات الطاقة العاملة بالفحم في الاتحاد الأوروبي تعرضت لخسارة عامي 2017، و2019 بلغت تكلفة تشغيل محطة طاقة تعمل بالفحم نحو ضعف تكلفة الاعتماد على أحد خيارات الطاقة المتجددة.
ويخطط مزيد من الدول الأوروبية للانضمام إلى المستقبل الخالي من الفحم، حيث تهدف فرنسا إلى أن تتخلى تماما عن الفحم بحلول عام 2022، وسلوفاكيا والبرتغال بحلول عام 2023، والمملكة المتحدة بحلول عام 2024، وإيرلندا وإيطاليا بحلول عام 2025.
وصرح أندرس إيجلرود الرئيس التنفيذي لشركة إكسيرجي لمجلة "بي في" قائلا، "آمل أن تصبح المرافق في نهاية المطاف خالية تماما من الانبعاثات الكربونية". وأضاف في تصريحات أخرى، "اليوم نعلم أنه يجب علينا التوقف عن استخدام جميع أنواع الوقود الأحفوري، وبالتالي يجب التخلي عن الفحم بشكل تدريجي ونحن نحقق ذلك قبل عدة أعوام من الخطة الأصلية. ونظرا لأن ستوكهولم كانت تعتمد تقريبا على الوقود الأحفوري بالكامل قبل 30 إلى 40 عاما، فقد قمنا بإدخال تغييرات هائلة. والآن نبتعد عن الاعتماد على الكربون ونواصل الرحلة نحو نظام طاقة يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة والطاقة معادة التدوير".
وفي سياق متصل تواصل فنلندا تطبيق مراحل مبادرة حظر الفحم وجعلها أولوية قصوى خلال الأعوام العشرة المقبلة، حيث وعدت الدولة بالقضاء على اعتمادها على الفحم بحلول عام 2030، وتقدم البرلمان الفنلندي أخيرا باقتراح لإكمال جميع مراحل مبادرة حظر الفحم قبل عام من الموعد المحدد سابقا. ورغم أن عاما واحدا قد لا يبدو مدة كبيرة، لكنه يعني أن فنلندا ستكون خالية تماما من الفحم خلال العقد المقبل.
وتعني هذه الخطوة أيضا أنه سيتعين على فنلندا رفع قدرة برنامج التخلص التدريجي من الفحم بنحو 10 في المائة لتحقيق الهدف الجديد. وقد يبدو هذا الأمر وكأنه يحدث كثيرا من الضغط، لكن بعض الشركات تحولت بنجاح إلى الطاقة المتجددة بشكل أسرع مما توقعه الجميع.
وفقا للموقع الإلكتروني "تري هجر" المعني بالاستدامة، فقد حققت شركة ليجو هدفها المتمثل في الاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة قبل الموعد الذي حددته بثلاثة أعوام. في حين خفضت النرويج من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل ثلاثة أعوام من الموعد المحدد. كما حقق كل من الهند والصين أهدافهما الصديقة للبيئة قبل حلول المواعيد المحددة.
ويشكل الفحم حاليا نحو 8 في المائة من الاستهلاك السنوي لفنلندا. ورغم هذه النسبة البسيطة سيتعين على البلاد التحرك بسرعة إذا كانت تريد التخلص تماما من الفحم. ويشمل هذا التحرك تنفيذ برامج طويلة الأجل من شأنها توفير الطاقة النظيفة للسكان، على أن تكون فعالة من حيث التكلفة للشركات. وقد استثمرت فنلندا بالفعل في هذه الأنواع من البرامج، ويثق المشرعون هناك في أن البلاد ستفي بالموعد النهائي المقترح حديثا.
وتشكل مبادرة حظر الفحم في فنلندا مؤشرا واضحا على أن العالم يقلل اعتماده على مصادر الطاقة غير المتجددة. ونأمل أن تحذو دول أخرى حذو فنلندا وتتقدم في برامجها الرامية إلى الاستغناء عن الفحم في المستقبل القريب.
وقد صوت عديد من الدول على حظر الفحم على غرار الحظر في فنلندا. لكن مع تأثير تغير المناخ الحادث بالفعل في جميع أنحاء العالم، كلما كان تنفيذ حظر الفحم أسرع كان ذلك أفضل للجميع.
إنشرها