حالة الثقافة في المملكة .. أين نحن؟

|
سعدنا بإطلاق وزارة الثقافة أول تقرير عن "الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2019" يقع في أكثر من 400 صفحة، وهو نشاط تشكر عليه وزارة الثقافة الفتية التي أُسست قبل عامين تقريبا، بالتحديد في 17 رمضان 1439، ولفت انتباهي لهذا التقرير مشاركة جميلة على وسائل التواصل الاجتماعي من الصديق الدكتور دخيل الدخيل الله.
لا يختلف اثنان على أهمية الثقافة التي تمثل نتاج التجربة الإنسانية التراكمية في تكوين شخصية الإنسان ورسم ملامح هويته وتفسير ما يدور حوله، ومن ثم تكوين الهوية الثقافية الوطنية. وتقرير الحالة الثقافية في المملكة يؤسس لتقارير مقبلة عن المنجز الثقافي السعودي، لأن غياب المعلومة يضعف حضور الثقافة والأعمال والأنشطة الثقافية الرائعة وربما يغمرها، وكذلك يعطل النقد البناء الذي هو الأساس في تطوير الثقافة وتنميتها وصقلها وإبرازها. ولا شك أن توقعاتنا في الساحة الثقافية تجاه هذا التقرير كبيرة، كونه الأول ليكون مرجعا شاملا من النواحي الكمية والنوعية، لفهم الحالة الثقافية في المملكة وتقييم أدائها ورسم اتجاهاتها.
ويتناول التقرير معظم مكونات الثقافة، مثل: اللغة والأدب، والأزياء، والأفلام والعروض المرئية والمسرح والموسيقى، والمهرجانات والفعاليات، وفنون العمارة، والتراث، والفنون البصرية، والمتاحف، والتراث الطبيعي، والطعام وفنون الطهي، والكتب والنشر.
ولا يتسع المجال المخصص لهذه المقالة لتناول جميع فصول هذا التقرير الرائع، لذلك ستقتصر المقالة على إطلالة عاجلة على نتائج مسح المشاركة الثقافية الذي اعتمد على عينة قوامها 3137 فردا من جميع مناطق المملكة، وعلى الرغم من أهميته، فإن دقة النتائج وموثوقيتها تعتمدان على تحديد نسبة المعاينة التي اعتمد عليها في تحديد حجم العينة، وكيفية اختيار أفراد العينة، وكذلك طريقة الوصول إليهم.
على أي حال، إليك أيها القارئ الكريم بعض المقتطفات الإحصائية. تصل نسبة الذين قرأوا كتابا واحدا على الأقل خلال العام إلى 73 في المائة من أفراد العينة مع ارتفاع طفيف لمصلحة الإناث، وهذه نسبة كبيرة إذا ما قورنت بالنسبة المماثلة في الولايات المتحدة التي لا تتجاوز 72 في المائة أو في المملكة المتحدة 75 في المائة. وعلى العكس من ذلك، فإن عدد الكتب المنشورة في المملكة 7687 كتابا خلال عام، لا يقارن بما ينشر في المملكة المتحدة حيث يتجاوز 200 ألف أو في كوريا 90 ألف كتاب. واتضح من نتائج المسح أن نحو 63 في المائة يفضلون قراءة الكتاب الورقي. ويستمع للموسيقى على نحو يومي نحو ثلث العينة، في حين لا يستمع أبدا للموسيقى نحو 27 في المائة. ومن اللافت للنظر أن هناك نحو 36 في المائة من أفراد العينة يمارسون الكتابة بانتظام في أوقات فراغهم. ونظرا لحداثة السينما في المجتمع السعودي، فإن نسبة الذين ذهبوا لدور السينما تصل إلى 27 في المائة فقط. وتصل نسبة الذين يمارسون أعمالا فنية كالرسم أو النحت نحو 22 في المائة، كما تنخفض نسبة من يجيدون العزف على الآلات الموسيقية إلى 10 في المائة. وتنخفض أيضا زيارات المكتبات العامة بما لا يتجاوز 18 في المائة.
وأخيرا، تتضح بجلاء الحاجة إلى مزيد من الجهود للتنمية الثقافية بمفهومها الشامل، وكذلك زيادة المشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية وممارسة الأنشطة الثقافية ذاتها، إضافة إلى زيادة شمولية التقرير المقبل. لذلك أقترح التوسع في إجراء مسح الأنشطة والمشاركة الثقافية كل ثلاثة أعوام لعينة أكبر من السكان للتعرف على جوانب الثقافة المادية وغير المادية، وكذلك مشاركة الناس وممارستهم الأنشطة الثقافية، وطبيعة هذه الأنشطة ومعدلات قراءتهم وطبيعتها، وكذلك هواياتهم ذات الصلة بالثقافة، كالرسم والتصوير والشعر والتمثيل والمسرح ونحوها. ولا يقل عن ذلك أهمية دعم الأندية الرياضية وتعزيز دورها الثقافي كونها كيانات قائمة وجاهزة، ما يوفر كثيرا من التكاليف المادية. وهناك حاجة ماسة إلى تكثيف الأنشطة الثقافية في المحافظات الصغيرة التي تفتقر إلى الفعاليات الثقافية.
إنشرها