العملات والذهب .. أيهما يقوم بالدور؟

|

تلعب العملات والمعادن النفيسة عموما دورين رئيسين هما حفظ الثروة ونقلها، إذا استبعدنا الطلب على المعادن في الصناعة، لكن لا تستطيع العملة القيام بالوظيفتين معا، بمعنى أنها قد تكون وسيلة للتبادل وعندها لا تصبح مخزنا للثروة (كاحتياطي)، وإذا تحولت كي تصبح عملة احتياطي خرجت عن دورها كوسيلة للتبادل، والموازنة بين هذا وذاك هي عمل البنوك المركزية فإذا كانت تريد تعزيز استخدامها مخزنا للثروة رفعت أسعار الفائدة وإذا كانت تريد تعزيز دورها في التبادل خفضت أسعار الفائدة، هذا عموما لكن ليست الأمور بهذه السهولة لأن متغيرات كثيرة تدخل في العلاقة وتؤثر فيها بشكل قد يجعل من الصعب على البنوك المركزية السيطرة على الأمور.
لعل أكثر المقولات انتشارا في الاقتصاد الكلاسيكي أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التبادل، وهذا لا يزال له أثر في الاقتصاد الحديث رغم أن هذه العبارات ليست دقيقة عموما، ذلك أن العملات فيما بينها تتبادل الأدوار، بمعنى أن المجتمعات قد تستخدم عملة ما وسيلة للتبادل مع عملة أخرى وطريقة لخزن الثروة، وهذا لا يأتي بشكل عشوائي بل إن قوة العملة والمشكلات السياسية هما اللتان تحددان العملة الرديئة، وتظهر العلاقات بوضوح في أسواق تداول العملات، مع انخفاض أسعار العملات مقابل عملات أخرى.
فمثلا عندما يقرر المستثمرون شراء عملة ما بكثافة فإن ذلك يأتي بفعل توجهاتهم نحو استخدامها عملة احتياطي، فمثلا نجد أن الدولار في الأيام الماضية اتجه لتحقيق أفضل مكاسب أسبوعية، حيث استقرت المعاملات في أوروبا عند ارتفاع نحو 0.3 في المائة مقابل سلة من العملات، وهذا التوجه العام يأتي طبعا من خلال عمليات بيع واسعة والخروج من عملات رئيسة في مقابل الدولار.
ويؤكد المراقبون أن هذا التوجه بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية ومخاوف من أن موجة ثانية من الإصابات بكوفيد - 19 التي ربما تعرقل تعافيا اقتصاديا سريعا. هذه هي الحال، فالقلق الذي يصيب الأسواق العالمية يأتي على شكل بيع واسع للعملات المختلفة وطرحها للتداول بينما يتم الاحتفاظ بالدولار، هذا يتأتى باعتبار عملة الدولار يتداول بها دوليا دون حدود بحكم قوتها وتسيدها الموقف الرئيس في أسواق العملات، وفي العادة تقاوم الولايات المتحدة هذا التوجه نحو استخدام الدولار عملة احتياطي ومخزنا للثروة من خلال خفض أسعار الفائدة، لتقليص العوائد بينما تحاول الدول الأخرى في العالم رفع أسعار الفائدة لتحقيق نوع من التوازن، لكن رغم هذه الجهود المتوازية إلا أن الدولار يظل رابحا.
لكن هذا ليس على إطلاقه أيضا، فالتوترات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة تقلق المستثمرين من قرارات "الفيدرالي الأمريكي"، وفي أوضاع كهذه يتجه العالم نحو آخر الملاذات الآمنة وهو الذهب، فرغم تحقيق الدولار مكاسب مع تصاعد التوتر بين الصين والهند إلا أن التصريحات العدائية بين الصين والولايات المتحدة خاصة بعد انتشار كورونا قادت أسعار الذهب للارتفاع من جديد، حيث زاد الذهب في المعاملات الفورية 1 في المائة إلى 1740.03 دولار للأوقية خلال ساعة في حين ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب 1 في المائة إلى 1747.90 دولار للأوقية. فالعملات مهما كانت قوتها فإن قيمتها مجرد انعكاس للنمو الاقتصادي في بلد العملة، ومع الإغلاق الكبير الذي عم العالم فإن النمو الاقتصادي أصبح حلما بينما شبح الكساد يخيم الآن، وهذا يجعل أي عملة تفشل في أن تقوم بدورها كاحتياطي، وهنا يبقى الذهب فقط القادر على القيام بهذا الدور، ذلك أنه لا يتأثر بالنمو الاقتصادي بل فقط بحجم العرض والطلب عليه.
فمع وصول أعداد المصابين إلى أكثر من ثمانية ملايين شخص صعدت أسعار الذهب 14 في المائة منذ بداية العام، وما ذلك إلا للمخاوف من التباطؤ الاقتصادي، وهنا يظهر معنى العملة الرديئة تطرد الجيدة من التداول، فالإقبال الكبير على الذهب يجعل الجميع مستعدا للتخلي عن العملات كافة التي تصبح متداولة بشكل واسع فتنخفض أسعارها بينما يحتفظ الجميع بالذهب كاحتياطي فينزل ويرتفع سعره تباعا لتزايد ندرته، ولن تهدأ الأسعار ما لم تبدأ العوامل في العمل على عكس التيار الآن.
إن الهدوء في التوترات العالمية وتحسن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، واكتشاف لقاح لفيروس كوفيد - 19، هي التي يمكنها تغيير توجهات المستثمرين ومن ثم تحديد العلاقات بين العملات بعضها بعضا.

إنشرها