كيف نقرأ الهجمة على المجسمات في الغرب؟

|
برزت على السطح مسألة المجسمات في الدول الغربية. والزائر لهذه الدول، إن في أمريكا أو أوروبا، لا بد أن تأخذه الدهشة لكثرة النصب والتماثيل التي تزين الساحات العامة والشوارع الرئيسة.
وصار تخريب أو رفع أو إبقاء أو الدفاع عن المجسمات من القضايا المهمة لا بل المصيرية في الوقت الحالي. مراجعة الرسالة التي تنطقها المجسمات جاء في أعقاب خنق المواطن من أصل إفريقي جورج فلويد، في 25 أيار (مايو) الماضي.
فارق فلويد الحياة بعد أن وضع شرطي أبيض ركبته على عنقه ثماني دقائق غير مكترث بصراخه ومناجاته بأنه لم يعد بمقدوره التقاط أنفاسه.
والمجسم ما هو إلا رمز أو علامة، شأنه شأن أي خطاب نتواصل بواسطته مع بعضنا. المجسم كلمة. كما أن الكلمة لها قابلية النطق والدخول في حوار ليس معنا فحسب بل مع سياقها ومحيطها وبيئتها، كذلك المجسم.
وكما أن الكلمة تؤثر فينا وفي محيانا، هكذا المجسم. والمجسم ما هو إلا سيماء، محياه قد لا يتغير لأنه أصم، بيد أنه يتواصل معنا رغم صممه، أي يردد دائما وأبدا ما يريد أن يوصله من رسالة ولا يقبل أن يسمع الآخر أو يغير في رسالته حرفا واحدا.
وكما المفردة التي نستقي منها سيمائيات مختلفة، هكذا المجسم. هناك من يراه جزءا من التراث والماضي المجيد وهناك من يرى أنه يجسد ليس لماض معيب ومرير ومخيف، بل هو انعكاس للوضع المأسوي الذي نحن فيه، وهناك من يرى أن المجسمات في حد ذاتها شيء مكروه ولا يجوز نصبها أو التباهي بها.
وإن كانت الكلمة أكثر مضاء من السيف، فإن وقع المجسم يفوق وقع السيف المسلول. المجسم يقف في ساحة عامة، شامخا، متباهيا، متماسكا، متبخترا، يصرخ في وجه الكل، وكأن أمام حلقه مكبر صوت يخترق الجبال ولا نهاية لعياطها.
كم هو مسكين الذي يقف منبهرا أمام المجسم في ساحة عامة في الغرب. لا يدري هذا المسكين أن المجسم سلطوي في الأغلب يقف المجسم على منصة مرتفعة، ومن هناك في تعال وتبختر يحدق بغرور على العامة من المساكين الذين لا حول ولا قوة لهم في إسكات عياطه أو حتى التخفيف من حدة صراخه الذي يصم الأذن.
لدي تجربة غير حميدة مع المجسمات أو بعض الرموز في الغرب. أسردها هنا مع إثارة أسئلة محددة وجعلها أرضية فكرية وفلسفية لتقديم إطار نظري ونقدي لتحليل وتفكيك ما يحدث للمجسمات في الغرب.
الأولى كانت في مدينة بريستول في بريطانيا، حيث مقر دار النشر البريطانية التي أعتمدها للنشر الأكاديمي. هذه المدينة غنية جدا، وكانت مركزا تجاريا وصناعيا وتكنولوجيا وثقافيا ولا يزال. وجزء من الثراء التراكمي لبريستول يعود لشخصية باسم إدوارد كولستون، بيد أن هذه الثروة بناها كتاجر رقيق استعبد فيها أكثر من 85 ألف إفريقي كان بينهم نحو 20 ألف طفل. لقي أكثر من 19 ألفا من الذين استعبدهم وتاجر بهم حتفهم.
مع هذا كان تمثال كولستون يزين أهم ساحة في هذه المدينة الثرية قبل أن يسقطه المتظاهرون ويجروه ويرموه في البحر.
مدينة بريستول من أجمل المدن البريطانية بمبانيها الشامخة وحدائقها وثرائها، لكن هل باستطاعتنا مسألة الواقع بماضيه وحاضره من خلال التأكيد أن ثروتها المكتسبة، كما هو شأن كثير من المدن الأخرى في الغرب، جاءت من بؤس الآخرين ومعاناتهم.
الثانية كانت في بلجيكا حيث تزين مدنها وحدائقها العامة مجسمات الملك ليوبولد الثاني. هذا الملك كان يقتل الإفريقيين مثل الذباب أي بالملايين ويجلبهم في أقفاص إلى بروكسل ويضعهم في حدائق تشبه حدائق الحيوانات كي يتسلى بمنظرهم مواطنوه.
بعد أن تعرض تمثاله في بروكسل للتخريب ومجسم آخر للحرق، قررت الحكومة رفع كل تماثيله من البلد، بعد أن أماطت الصحافة اللثام عن الجرائم المهولة التي ارتكبها في حق الأفارقة في مستعمرته في الكونغو.
والثالثة كانت في أمريكا، حيث يشاهد الزائر كثيرا من تماثيل ونصب كريستوفر كولومبس "مكتشف" أمريكا. وأضع كلمة "مكتشف" بين علامتي التنصيص لأن الكلمة هذه تنطق مثل التمثال لكن النطق له أوجه مختلفة.
والمجسمات شأنها شأن النصوص، حمالة لأوجه مختلفة. من الناس من يرى كولومبس بطلا ويقيم له مجسمات ويبني له الأنصاب، ومنهم من يراه مجرما دشن عهدا كان سببا لبؤس الناس، حيث غزا الأوربيون البلاد بعد "اكتشافه" وعاملوا السكان الأصليين بقسوة مفرطة جدا، واتخذوا بعضهم عبيدا، واستولوا على أملاكهم وأبادوا ثقافاتهم وحضاراتهم. الهجمة ضد التماثيل طالت كولومبس، حيث تم تخريب وإسقاط عدد من تماثيله.
هذه الحالات الثلاث تثير كثيرا من الأسئلة حول النصب والمجسمات والرموز وطريقة تحليلها وتفكيكها. وهي حمالة أوجه، كما هو شأن أي نص، حيث تتكون مواقف متباينة في تفسيرها.
ما حال أو قد يحول دون إزالة هذه المجسمات والنصب والرموز أو إعادة قراءتها تستند إلى قوة التفسير الذي يقف خلفها. ورجحان كفة أي تفسير سيقرر مصير المجسمات. لكن المجسم رمز ليس إلا، والمهم الممارسة المؤسساتية والفكر والتصرف الذي تم البناء عليه ولا يزال. وهذا ما سنناقشه في الأسابيع المقبلة.
إنشرها