الطاقة الخضراء والاستغناء عن الفحم

|
للمرة الأولى منذ أكثر من 100 عام سجلت بريطانيا رقما قياسيا جديدا تمثل في استغنائها عن استخدام طاقة الفحم لمدة شهرين كاملين. ويرجع هذا الإنجاز الجديد جزئيا إلى كل من الظروف التي أحدثتها جائحة فيروس كورونا المستجد وحجم استثماراتها في مجال الطاقة المتجددة. وقبل عقد من الزمان كان ما يقرب من نصف طاقة بريطانيا يأتي من حرق الفحم، لكن بريطانيا غيرت هذه النسبة من خلال التوجه نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
شهد منتصف ليل 10 حزيران (يونيو) انقضاء شهرين متتاليين منذ آخر مرة لجأت فيها بريطانيا إلى استخدام طاقة الفحم. وكان الإغلاق الناتج عن تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد قد أدى إلى انخفاض الطلب على الطاقة في الدولة بأكملها، ونتيجة لذلك أغلقت بريطانيا محطات طاقة الفحم الأربع المتبقية لديها.
ووفقا لما نشره أخيرا موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فقد كان 40 في المائة من إمدادات الطاقة في بريطانيا قبل عشرة أعوام فقط يأتي من حرق الفحم. ومع ذلك سمح التحول الكبير نحو الطاقة المتجددة بتحقيق مزيج الطاقة الخالي تماما من استخدام الفحم. وفي غضون عشرة أعوام تحولت بريطانيا من الاعتماد على طاقة الرياح والطاقة الشمسية في توليد 3 في المائة فقط من الكهرباء في البلاد إلى توليد 37 في المائة من إجمالي طاقة البلاد من مختلف أنواع الطاقة المتجددة.
وتبوأت بريطانيا مكانة رائدة في عالم الطاقة المتجددة وأصبحت موطنا لأكبر شركة في مجال طاقة الرياح البحرية في العالم. وتحولت شركة دراكس -أكبر شركة منتجة للكهرباء في بريطانيا- تدريجيا إلى الطاقة المتجددة. وصرح ويل جاردينر، الرئيس التنفيذي للشركة قائلا "وضعت الشركة خطة للقضاء تماما على طاقة الفحم، فنحن هنا في "دراكس" نرى أن الفحم لا يمثل المستقبل".
وقد تعطي إنجازات بريطانيا في مجال الطاقة الخضراء الأمل لأي دولة تسعى إلى التخلص من الاعتماد على الفحم في توليد الطاقة. وعلى الرغم من أنه لا يزال هناك عديد من الخطوات اللازمة للقضاء على استخدام طاقة الفحم في جميع أنحاء العالم، إلا أن جاردينر يتوقع أن تتجاوز الطاقة المتجددة الوقود الأحفوري عام 2020. وقد لا يكون هذا التنبؤ بعيدا وفقا للدكتور سايمون إيفانز من موقع كربون بريف الإلكتروني المعني بتغير المناخ، حيث يقول إيفانز "حتى الآن ولدت مصادر الطاقة المتجددة هذا العام كهرباء أكثر من الوقود الأحفوري وهذا أمر لم يحدث من قبل. وبالنظر إلى أن فيروس كورونا المستجد أدى إلى تباطؤ استهلاك الطاقة على الصعيد العالمي، فقد يكون الوقت قد حان الآن لكل دولة لإحراز تقدم نحو توليد طاقة أنظف".
وكان تحليل قبل شهور لموقع كربون بريف قد كشف أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المملكة المتحدة انخفضت بنسبة 2.9 في المائة العام الماضي، ليصل إجمالي الانخفاض منذ عام 2010 إلى 29 في المائة. وتشير البيانات إلى أن الانخفاض في استخدام الفحم كان العامل الرئيس الذي أدى إلى انخفاض انبعاثات الكربون في العام الماضي، حيث ظلت مستويات استخدام النفط والغاز الطبيعي كما هي دون تغير. وعند النظر إلي هذه البيانات على مدار العقد الماضي، نجد أن انبعاثات الكربون من الفحم في المملكة المتحدة انخفضت بنسبة تصل إلى 80 في المائة، بينما انخفضت من الغاز الطبيعي بنسبة 20 في المائة ومن النفط بنسبة 6 في المائة فقط.
وأشار موقع كربون بريف إلى نقطتين مشجعتين ظهرتا من الدراسة التي أجراها. أولا انخفضت انبعاثات الكربون في المملكة المتحدة عام 2019 إلى المستويات التي سجلت آخر مرة عام 1888، وثانيا شهدت المملكة المتحدة انخفاضا أسرع في الانبعاثات مقارنة بأي دولة اقتصادية رئيسة أخرى".
لقد كانت جهود الحد من الكربون ومساعي توسيع قدرات الطاقة المتجددة أهدافا مهمة للمملكة المتحدة، خاصة في ظل السعي الحثيث من مختلف الدول في جميع أنحاء العالم للحد من ارتفاع درجات الحرارة بموجب اتفاقية باريس. وأوضحت اللجنة المعنية بتغير المناخ أن المملكة المتحدة تحرز بعض التقدم نحو تلبية ميزانيات الكربون الخاصة بها لكنها تعجز حتى الآن عن الوفاء بجميع أهداف الكربون التي يلزمها بها قانونها الوطني.
وأوضح موقع كربون بريف أن انبعاثات الكربون في المملكة المتحدة يجب أن تنخفض بنسبة 31 في المائة إضافية في العقد المقبل حتى تتمكن المملكة المتحدة من الوفاء بميزانية الكربون التي حددتها، لكن استنادا إلى السياسات الحالية فمن المتوقع أن تنخفض الانبعاثات بنسبة 10 في المائة فقط. وعلى الرغم من وجود تحول في المملكة المتحدة نحو الحد من انبعاثات الكربون، إلا أنه لا تزال هناك حاجة ملحة إلى التركيز على الطاقة المتجددة مع تقليل الاعتماد على الفحم والنفط والغاز الطبيعي.
إنشرها