الاستجابة الألمانية للأزمة الاقتصادية

|
تملك ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي، كما تشتهر بصناعاتها الهندسية، وبسياساتها الاقتصادية الرزينة، وهي قلب الاتحاد الأوروبي النابض، وثالث مصدر بعد الصين والولايات المتحدة وتنافس بقوة على المركز الثاني عالميا. تأثرت ألمانيا بقوة بأزمة كورونا الاقتصادية لكونها اقتصادا منفتحا عالميا وتعتمد على الصادرات بدرجة كبيرة، كما أنها جزء مهم من سلاسل الإنتاج العالمية أثر فيها تراجع الطلب العالمي على السلع والخدمات وخفض ناتجها المحلي. واستجابت الحكومة الألمانية بسرعة لأزمة كورونا، وتبنت طيفا واسعا من السياسات الاقتصادية لمواجهة الآثار السلبية للإغلاق الاقتصادي.
حققت ألمانيا فوائض مالية خلال الأعوام القليلة الماضية استخدمتها في إطفاء جزء من الدين الوطني ما ساعدها على تخصيص مبالغ ضخمة للمحافظة على الوظائف ومساعدة الاقتصاد على التعافي من الأزمة الحالية. وصممت الحكومة برامج متعددة تستهدف مساعدة الأسر وقطاعات الأعمال على التغلب على آثار الجائحة، وبث الثقة بالاقتصاد وتحفيز عودة الأنشطة الاقتصادية للنمو. تعد برامج الدرع الواقي للاقتصاد الألماني الأكبر في تاريخ ألمانيا حيث ستخصص موارد من الميزانية بنحو 353 مليار يورو وضمانات قروض بنحو 820 مليار يورو. وقد يزيد الاستثمار في الشركات بنحو 100 مليار يورو.
يعد برنامج الدعم الفوري من أبرز البرامج أو المبادرات المتبناة. ويقدم هذا البرنامج منحا تصل قيمتها إلى تسعة آلاف يورو للشركات الصغيرة بخمسة عاملين أو أقل، والأفراد العاملين لحسابهم الخاص والمزارعين. وتزيد المنح إلى 15ألف يورو للشركات التي يصل عدد عامليها إلى عشرة أشخاص. إضافة إلى ذلك قدمت منحا للأسر التي لديها أطفال بمبلغ 300 يورو لكل طفل، كما دعمت الأسر التي تعطلت أعمالها بسبب إغلاق أماكن رعاية الأطفال وتعويضها عن جزء كبير من فاقد الدخل، وزيادة وصولها إلى الدعم. تم صرف تعويضات للعاملين المتوقفين عن العمل بسبب الجائحة، وزيادة مخصصات العاطلين عن العمل، ودعم مخصصات سكن ودخول كبار السن. دعم برنامج بقاء العاملين في أعمالهم من خلال تعويض أجور ساعات العمل المنخفضة. وشمل الدعم الطلاب، حيث بإمكانهم الحصول على قروض من دون فوائد لمدة عام. بالنسبة لمستأجري المساكن عطلت أمكانية إجبارهم على الإخلاء في حالة العجز عن دفع الإيجار حتى بداية أغسطس. تم دعم أيضا مراكز رعاية الأطفال لمساعدتها على الالتزام بمتطلبات التباعد الاجتماعي. خفضت أيضا تكاليف الطاقة الكهربائية بعض الشيء، وتعد ألمانيا من أكثر الدول غلاء فيها.
شملت سياسات الإنعاش الاقتصادي محفزات ضريبية أبرزها خفض ضريبة القيمة المضافة من 19 في المائة إلى 16 في المائة في حدودها القصوى، ومن 7 في المائة إلى 5 في المائة في حدودها الدنيا. قدمت حسومات ضريبية لصناعات التقنيات المستقبلية كالذكاء الاصطناعي واقتصاد الهيدروجين والتقنيات الدقيقة. قدمت أيضا خيارات تأجيل ضرائب الدخل وضرائب الشركات والمبيعات، وزيدت الإعفاءات الضريبية لإهلاك رأس المال. تمكين الشركات من خصم خسائر الجائحة بأثر رجعي للمستحقات الضريبية في 2019. تعويضات تصل إلى 70 في المائة من تكاليف الشركات التي تتراجع عائدتها بأكثر من 60 في المائة من مستويات 2019 وبحد أقصى يبلغ 150 ألف يورو.
يقدم صندوق حماية الشركات ضمانات لحصول الشركات الكبيرة والمتوسطة على القروض، وأبدت الحكومة استعدادا لزيادة الضمانات إذا دعت الحاجة. وأبدت الحكومة الألمانية استعدادا قويا لدعم الشركات وتوفير ضمانات ائتمان يمكن أن يقال إنها غير محدودة لطمأنة الشركات وخفض مخاوفها المستقبلية كما صرحت باستعدادها لبذل مزيد في حالة استمرار الأزمة لمدة أطول. كما خصصت 100 مليار يورو لدعم رؤوس أموال الشركات من خلال الاستثمار فيها بأسهم صامتة لمنع الاستحواذ عليها. إضافة إلى ذلك علقت الحكومة مؤقتا طلبات الإفلاس، كما خففت من أنظمة طرح المشاريع الحكومية مع الالتزام بأنظمة الاتحاد الأوروبي وقيود الميزانية. ونظرا للخسائر الفادحة التي تعانيها شركات الطيران قدمت الحكومة دعما خاصا لشركة خطوط طيران لوفتهانزا.
تضمنت السياسات الخاصة بالجائحة زيادة مخصصات دعم القطاعات الصحية والقطاعات المتصدية للجائحة التي منها مخصصات تطوير لقاح للمرض ودعم الاستثمارات الصحية. وتضمنت أيضا دعم صندوق النقد الدولي في برامج مساعدات أزمة كورونا والجهود الدولية لتطوير لقاح. كما تمت زيادة مخصصات دعم التعليم عن بعد والتعليم الرقمي وتحول الحكومة الرقمي بوجه عام. وزيدت أيضا المخصصات الدفاعية ذات القيمة المضافة المرتفعة محليا.
شملت المحفزات برامج لتقديم دعم خاص للشركات الناشئة والمبتكرة، وتقنيات الصناعات الصديقة للبيئة كتطوير وشراء السيارات الكهربائية، كما زيدت مخصصات تمكين ألمانيا من ريادة العالم في مجال التقنيات المستقبلية. دعم الاستثمارات في البحث العلمي وخصوصا في مجالات الطاقة الخضراء والتقنية ورفع قدرات توليد الطاقة المتجددة، ودعم الاستثمار في المباني المخفضة لاستهلاك الطاقة. منح مخصصات إضافية للمؤسسات الثقافية لمساعدتها على التغلب على آثار تراجع دخولها بسبب الجائحة.
تعهدت السلطات المركزية بدعم حكومات الولايات والحكومات المحلية في مواجهة تراجع الإيرادات الضريبية وتعويض نصف الخسائر الضريبية من الجائحة. كما زادت الحكومة الفيدرالية من دعم الحكومات المحلية أو البلديات في مجالات إسكان المحتاجين. وأبدت الحكومة استعدادا قويا لترويض الأزمة وتحمل المخاطر ودعم الأسر والعاملين والقطاعات والكيانات الاقتصادية كافة. ويبدي كثيرون إعجابهم بسياسات استجابة ألمانيا للأزمة ويرونها نموذجا يمكن الاستفادة منه مع الحفاظ على خصوصية الدول المختلفة، وذلك لأنها جاءت سريعة وشاملة في التعامل مع الأزمة، وتبدي ملامح هندسة إبداعية للتعامل مع الجزئيات الأكثر تأثرا بالأزمة.
إنشرها