هل أخفق أم أفلح الإعلام الغربي في تغطيته أخبار الجائحة؟

|
لستة أشهر ونيف، والصحافة في الغرب تنقل على صفحاتها الرئيسة أخبار فيروس كورونا والمرض الخطير الذي يسببه والمعروف عالميا بكوفيد - 19.
هناك من الصحف الرصينة من لم تكتف بتخصيص صفحة أو صفحتين، بل ملاحق يومية خاصة لتغطية هذا الفيروس المستجد الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بالجائحة، عابرة في ذلك شؤون ما يحدث في دولها ومتناولة كل ما لهذا الوباء بها من صلة حول العالم.
وإذ أتابع الإعلام الغربي كل يوم تقريبا، مركزا في الأشهر الأخيرة على ما يفعله فيروس كورونا بالدنيا، حاولت جاهدا إجراء مقارنات ومقاربات نقدية بين أمهات الصحف التي أقلب صفحاتها كل صباح.
وإن طرأ على بال أي قارئ كريم مبادرتي بالسؤال عن أي صحيفة أرشحها لتتبوأ قصب السبق في تقديم تغطية شاملة نزيهة وموضوعية عن الجائحة، أقول، لا أظن هناك بين الصحف الغربية من استطاع مجاراة جريدة ذي جارديان البريطانية في هذا المضمار.
وأظن أيضا أن القول، إن هذه الصحيفة بريطانية قول قد لا يصيب في عالمنا الافتراضي اليوم الذي جعلت منه الثورة الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي، من حيث توافر الخطاب ووسائل التواصل وسهولة الإرسال والتلقي، وكأننا موجودون في أي بقعة من البسيطة تغطيها تطبيقات تقنيات الاتصال بأجيالها المختلفة.
ونادرا ما يحصل القارئ على مادة صحفية رصينة دون المرور بحواجز يضطر فيها للتسجيل أو الرضوخ لشروط محددة لعدد المقالات المتاحة للقراءة أو لحواجز تحتم الدفع مقدما قبل الحصول على المادة المراد قراءتها.
إلا أن "ذي جارديان" دشنت حقبة جديدة في الصحافة الغربية، تستند إلى تقديم المحتوى للكل دون شروط بعد أن استطاعت تنمية وارداتها المالية من تبرعات القراء.
فللجريدة نشرات مختلفة مخصصة للمناطق والقارات المختلفة، ما يجعلها صحيفة عالمية لا تحدها الجغرافيا. ورغم العولمة هذه، إلا أن ما لاحظته هو أن تغطية الجائحة اليومية الموسعة كانت ولا تزال واحدة على صفحات نشراتها المختلفة.
تقدم الجريدة على موقعها الرقمي أربعة ملاحق عن الجائحة: (1) تغطية مباشرة، (2) تغطية أخبار الجائحة حول العالم، (3) ما هو فيروس كورونا، (4) افتتاحيات ومقالات الرأي تخص الجائحة حصرا.
حسب قراءتي ليست هناك وسيلة إعلامية منحت تغطية الجائحة هذا القدر من المساحة التي تشمل تقريبا كل ما يتعلق بها حول العالم، وتقوم بتحديثها على مدار الساعة.
وأهم ملحق جذب انتباهي ولا يزال يشدني هو رقم (3) في أعلاه، إذ هناك سلسلة من المقالات تفسر للقارئ وتشرح له الوباء وكيفية حماية نفسه وعائلته وما يجب عليه عمله، بيد أن الأهم بالنسبة لمقالنا هذا هو ما يأتي على صفحات هذا الملحق من تقارير حول ما يجب على القارئ أن يصدقه من الأخبار والمعلومات حول الجائحة وما يجب عليه رميه في سلة المهملات.
في هذا الملحق قرأت كثيرا عما كانت تسببه الأخبار الكاذبة والمعلومات التي لم يتم التحقق منها معرفيا وعلميا في الناس عند مواجهتهم جوائح مثل هذه أو أحداثا تاريخية مفصلية مثل الحروب وتدهور الوضع الاقتصادي.
وتذكرنا الجريدة بما كان ينشره بعض الصحف البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية نقلا عن منجمين أن الناس سيخرجون سالمين من الغارات الألمانية الكثيفة على لندن استنادا إلى تاريخ الميلاد فإن كانوا قد ولدوا في شهور معينة عليهم الهرولة صوب الساحات المفتوحة وليس الملاجئ لأنها لا تفيدهم.
وآخر إحصائيات عن الثقة بوسائل الإعلام الرئيسة تعيد للصحافة الرصينة مكانتها، حيث تظهر الأرقام تباعد الناس، ليس عن بعضهم الآخر كإجراء حماية من الجائحة، بل تباعدهم عن وسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" وغيرها وقنوات لم تعد تعير للمهنية الصحافية اعتبارا مثل "فوكس نيوز" والصحف الشعبية.
ففي بريطانيا مثلا، أظهر استبيان أجراه معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أوكسفورد أن أكثر من 60 في المائة من البريطانيين اليوم يثقون بهيئة الإذاعة البريطانية عند تعلق الأمر بالجائحة، وهذا يصل أحيانا إلى عشرة أضعاف الذين يثقون بوسائل إعلامية غير رئيسة من وسائل التواصل أو الصحف الشعبية مثل "ذي صن".
في أزمنة مثل هذه، يكون للمعلومة أثر مصيري ليس فقط على نجاح إجراءات احتواء الجائحة بل حتى في تفشي الوباء ونسبة ضحاياه. المعلومة الصحيحة التي تصلنا تساعدنا على حماية أنفسنا وأحبائنا من الوباء ومن الوقوع في شراكه.
وتنصحنا جريدة "ذي جارديان" أن التغطية الصحافية بطريقة مهنية صارت اليوم بمنزلة الحياة والموت أمام وباء فتاك مثل كوفيد - 19، لأن الإصابة أو الحماية منه في الأغلب تستند إلى إن كانت المعلومة التي وصلتنا صحيحة وموثوقا بها علميا وطبيا أم لا.
ونسمع ونقرأ اليوم كيف أن المنظمات الصحية والمختصين وعلماء الأوبئة يحملون الإعلام مسؤولية أخلاقية كبيرة في نقل المعلومة وكيف أن للصحافيين دورا بارزا في مكافحة الوباء واحتوائه.
إنشرها