التحول الرقمي .. هل هناك ما يعيقه بعد كورونا؟

|

ليس التحول الرقمي المتمثل في استخدام التقنية الرقمية عبر الفضاء السيبراني في مختلف النشاطات المعلوماتية غاية يسعى الإنسان إلى تحقيقها، بل إن هذا التحول وسيلة لتحقيق غاية نتطلع إليها، ألا وهي تفعيل التنمية، وتعزيز استدامتها، وتحقيق حياة أفضل لكل إنسان. ويتميز التحول الرقمي بأنه يستند إلى تقنية متطورة باستمرار تزوده بمستجدات تعزز مكتسباته بشكل متواصل. وعلى ذلك فالتحول الرقمي إجراء مستمر ومسيرة لا تنقطع، طالما كان هناك إبداع وابتكار في التقنية الرقمية وتطبيقاتها. وشهدت المملكة وكذلك العالم بأسره مسيرة هذا التحول قبل وباء كورونا، وخلال فترة انتشار هذا الوباء، وستشهد هذه المسيرة أيضا في المستقبل بعد كورونا. ولعل مسيرة المستقبل هذه، بعد خبرة ما سبقها، تستحق المناقشة هنا لإلقاء الضوء على ما قد يفيد في التخطيط لتوجيهها نحو تحقيق أفضل المعطيات.
شغل موضوع التحول الرقمي مقالات عدة سابقة، على هذه الصفحة قبل وباء كورونا، ثم بعد أن شغل هذا الوباء العالم بأسره قبل كورونا، ومنذ بدايات الألفية الثالثة للميلاد، شهد العالم توجها نحو تفعيل مسيرة التحول الرقمي. وتشمل أدلة ذلك مؤتمر القمة العالمي لمجتمع المعرفة WSIS الذي عقد عام 2003، ثم عام 2005 أيضا. وكانت المملكة، عبر تطلعاتها التنموية، مشاركا رئيسا في المؤتمر، ثم بعد ذلك بانيا لأنظمة التعاملات الإلكترونية الحكومية، ولعل أشهر هذه الأنظمة نظام أبشر الذي يقدم خدمات يستفيد منها الجميع. ولم تقتصر الخدمات الإلكترونية في المملكة على تلك التي تمت على المستوى الحكومي، بل كانت هناك نشاطات وخدمات إلكترونية تجارية على المستويين المحلي والعالمي، إضافة إلى خدمات أخرى في إطار المؤسسات. يضاف إلى ذلك الخدمات الإلكترونية العامة التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي التي غطت العالم بأسره.
اهتمت مسيرة التحول الرقمي قبل كورونا بالتركيز على الخدمات الإلكترونية، ولم يلق العمل عن بعد، وكذلك الاجتماعات عن بعد القدر ذاته من التركيز، إلا ربما في بعض لقاءات وسائل الإعلام أثناء تقديم بعض البرامج الحوارية. ولعل بين أسباب ذلك تمكن العادة وثقافة العمل الموروثة من الإبقاء على العمل محصورا بحضور مباشر للعاملين في إطار الفضاء المادي، بعيدا عن التوجه إلى العمل عبر الفضاء السيبراني. وهكذا وفي بيئة العمل وثقافته هذه، جاء وباء كورونا مزلزلا حياة الناس وأعمالهم، لتبرز التقنية الرقمية بفضائها السيبراني كوسيلة مهمة لاستئناف جميع الأعمال المعلوماتية التي لا تتطلب بالضرورة العمل في الفضاء المادي. وهكذا باتت أعمال كثيرة ومؤتمرات واجتماعات ولقاءات، حول العالم تتم عبر الفضاء السيبراني ومن أبرز هذه المؤتمرات مؤتمر قمة العشرين الذي رعته المملكة، ومن أهم هذه الاجتماعات جلسات مجلس الوزراء الدورية.
أعطى كل من نشاطات الخدمات الإلكترونية التي ميزت مسيرة التحول الرقمي قبل كورونا، وكذلك نشاطات العمل عن بعد واللقاءات عن بعد التي ميزت هذه المسيرة خلال انتشار كورونا، فاعلية وكفاءة لحياة الإنسان مهنيا واجتماعيا وإنسانيا. وإذا نظرنا، في هذا المجال، إلى مسيرة المستقبل بعد كورونا، فلعلنا نأمل في تميز هذه المسيرة بكل منهما معا، بل بتطورهما أيضا مع تطور التقنية الرقمية وإمكاناتها المتجددة. ويتطلب العمل على تحقيق هذا الأمل أن نرى المشهد تجاه هذا الموضوع كاملا على أرض الواقع.
تتضمن صورة مشهد مسيرة التحول الرقمي في المستقبل بعد كورونا جانبين اثنين. تظهر في الجانب الأول نشاطات الخدمات الإلكترونية، وهذه النشاطات مرشحة للاستمرار والتطور والاستفادة من تقدم التقنية الرقمية، خصوصا أنها كانت كذلك قبل كورونا واستمرت بوجودها، ولا عائق أمامها في المستقبل. أما في الجانب الثاني فتبرز نشاطات العمل عن بعد، واللقاءات عن بعد، ورغم وجود محبذين بل متحمسين لهذه النشاطات، بل مستفيدين منها، إلا أن لها عوائق مختلفة تحاول اعتراضها، أو الحد من انتشارها. بعض هذه العوائق ناتج عن تهديدها بعض المصالح، وبعضها الآخر ناتج عن العادة وثقافة العمل الموروثة.
يهدد تنفيذ العمل عن بعد، وكذلك عقد اللقاءات عن بعد، أعمالا كثيرة في مجالات عديدة بالتراجع والتقلص. سيتأثر على سبيل المثال، مجال النقل، بما يشمل وسائله المختلفة، ومصانع إنتاج هذه الوسائل، ومؤسسات خدماته، ومتطلبات تنفيذ هذه الخدمات. وسيتبع ذلك تأثر مراكز العمل المكتبي التي ستتقلص في حجمها وكذلك الفنادق، وصالات اللقاء والمعارض. في المقابل يفعل العمل عن بعد، وكذلك اللقاءات عن بعد، أعمالا أخرى في مجالات مختلفة أخرى. سينتعش على سبيل المثال، مجال تطوير إمكانات الفضاء السيبراني، وتقديم خدمات متجددة تعزز العمل عن بعد في شتى المجالات، أو تزيد حمايته محافظة على بيئة سليمة تسمح بأداء الأعمال وتوفير اللقاءات المختلفة بفاعلية وكفاءة وأمان تحتاج إليها مسيرة التحول المنشود.
تعيق العادة وثقافة العمل الموروثة العمل عن بعد وكذلك اللقاءات عن بعد. فهناك مسلمات كثيرة لهذه الثقافة، منها أن عمل الجميع يجب أن يتم في مكاتب متجاورة، واللقاءات يجب أن تتم بالحضور الشخصي، فالحضور على الشاشة غير كاف. يضاف إلى ذلك أن الأوراق يجب أن تكون متوافرة، والتواقيع بأقلام الحبر، وما إلى ذلك مما هو متعارف عليه تقليديا. ولا شك أن الحضور الشخصي متطلب مهم في المصانع مثلا، لكن لا حاجة إلى هذا الحضور، عندما يكون العمل معلوماتيا فقط. والحقيقة إن لكل عمل متطلباته في الحضور يجب أخذها في الحسبان في المستقبل، فبعض الأعمال تتطلب الحضور كاملا، وأخرى تحتاج إليه جزئيا، وثالثة تستطيع الاعتماد بالكامل على العمل عن بعد.
أفرزت فيروسات كورونا، والأمل بالله تعالى أن ترحل قريبا بلا رجعة، حراكا مهما للتحول الرقمي. فقد اختلفت خصائص مسيرة هذا الحراك خلال كورونا عما كانت عليه قبلها، وأعطى ذلك العالم خبرة جديدة. والأمل أن نخطط اليوم لمسيرة تحول رقمي مستقبلي جديد، يشمل مختلف مجالات الحياة، ويؤدي إلى تفعيل التنمية، وتعزيز استدامتها، وتحقيق حياة أفضل لكل إنسان.

إنشرها