المناطق الزرقاء .. هل نذهب إليها؟

|

لا شك أن العثور على "ينبوع الشباب" Fountain of Youth أو "حلم الخلود" أمنية تراود كثيرين على مر التاريخ، لكنهم لم يعثروا على شيء من ذلك حتى الآن، بل عثروا على ما يعرف بـ"المناطق الزرقاء" Blue Zones التي يعيش سكانها أعمارا أطول من الأعمار المعتادة في المناطق الأخرى. ويعود هذا المصطلح في الأساس إلى عالِمين من علماء السكان هما مايكل بولين Boulain وجياني بيس Pes، ثم قام بوتنر Buettner بتطوير هذا المفهوم فيما بعد. وتحظى المناطق الزرقاء باهتمام الباحثين في محاولة للكشف عن أسباب طول أعمار سكان هذه المناطق. وحتى لا نحلق بعيدا في فضاءات الأماني، ينبغي القول إن الإنسان سيهرم يوما بعد آخر، بصرف النظر عن أي محاولات للحد من التقدم في الشيخوخة، لكن هناك فرقا بين تسارعها، من خلال الضغط على دواسة البنزين من جهة، أو تباطئها من خلال العناية باختيار كوابح قوية من جهة أخرى. وقد لفت الأنظار بعض المناطق بأعمار سكانها المديدة، أي ارتفاع احتمالية العيش لأكثر من مائة عام، فهناك شخص من كل 600 شخص يتجاوز عمره المائة، مقابل شخص من كل أربعة آلاف شخص في الولايات المتحدة على سبيل المثال.
والمناطق الزرقاء المعروفة، هي: (1) جزيرة ايكاريا في اليونان (2) جزيرة أوكيناوا في اليابان (3) إقليم برباقيا الجبلي في سردينا في إيطاليا (4) مدينة لوما ليندا الصغيرة في كاليفورنيا (5) شبه جزيرة نيكويا في كوستاريكيا. وتوصلت الدراسات إلى بعض النقاط أو العوامل المشتركة فيما بين سكان هذه المناطق، ومنها:
• التحرك على مدار اليوم يعد جزءا أساسيا من أسلوب حياة الناس في المناطق الزرقاء مثل المشي لمسافات طويلة، وممارسة البستنة، والقيام بالأعمال المنزلية ونحوها، ما يساعد على خفض التوتر، ومن ثم التمتع بحياة مديدة.
• دمج طقوس البعد عن التوتر في حياة سكان المناطق الزرقاء بأساليب مختلفة، ما بين الصلاة في بعضها، والقيلولة في بعضها الآخر، وكذلك المرح والحس الفكاهي، فللضحك فوائد صحية كثيرة، منها تخفيض مخاطر الأزمات القلبية، كما أن المعاشرة الزوجية أحد عوامل تخفيض التوتر.
• تفادي الإفراط في الأكل، ذلك بتطبيق قاعدة 80 في المائة، أي التوقف عن تناول الطعام عندما تكون المعدة ممتلئة بنسبة 80 في المائة، مع تناول أصغر الوجبات في وقت مبكر من المساء. بوجه عام، فإن تجاوز المائة عام لا يأتي من خلال تناول الفيتامينات أو ممارسة الأنشطة فقط، لكن من خلال العيش حياة طبيعية تعتمد على الغذاء الطبيعي المكون من الخضار والفواكه والأسماك مع قليل من اللحوم، خاصة أن تقليل البروتين مرتبط بانخفاض معدلات الإصابة بالسكري والسرطان.
• أن يكون لدى الإنسان هدف في حياته، فوجود هدف للاستيقاظ كل صباح يمنح الصحة ويضيف إلى العمر بضعة أعوام.
• الأخذ بمبدأ "الأسرة أولا"، أي الاحتفاظ بروابط عائلية وثيقة وقوية مع الأزواج والآباء والأجداد والأحفاد أمر شائع في المناطق الزرقاء.
• الانتماء إلى المجتمع المحلي، والتمتع بالدعم الأسري، من خلال شبكة اجتماعية قوية من الأصدقاء والأقارب داخل المجتمع المحلي، وتشجيع الاجتماعات الدورية وتنظيم الأنشطة والاحتفالات المحلية، ما يؤدي إلى خفض التوتر وضغوط الحياة والشعور القوي بالانتماء.
• الابتعاد عن المنبهات كالقهوة ونحوها، مع تشجيع الامتناع عن التدخين، مقابل شرب قدر كاف من الماء، يخفض أمراض القلب ويضيف إلى الأعمار بعض الأعوام.
وأخيرا ليس ضربا من السحر أن تتمكن من إضافة أعوام إلى عمرك – بإذن الله – من خلال التحسينات في حياتك اليومية، فلا يتعين عليك الذهاب إلى تلك المناطق الزرقاء لتحسين صحتك وجودة حياتك، خاصة أن طول العمر يتحدد بعاملين: الأول الجينات الوراثية والثاني نمط الحياة، ووجد أن الجينات ليس مسؤولة بدرجة كبيرة عن طول العمر، فتأثيرها لا يتجاوز 25 في المائة فقط، في حين إن التأثير الأقوى في طول العمر يعود إلى نمط الحياة والبيئة، وهي في يد الإنسان وتحت إرادته. لكن المشكلة الكبرى أننا نمارس أنماط حياة غير صحية، فمعظم البيئات الحضرية مصممة لاستخدام السيارة، وليس للمشي، أو ممارسة الأنشطة الحياتية الطبيعية الأخرى. معظم أوقاتنا نقضيه في السيارات في الطريق للعمل أو التسوق، وهذا يرفع التوتر ويترك وقتا محدودا لإعداد وجبة صحية أو التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء أو المشاركة في أعمال تطوعية. ولا بد من الاعتراف بأن تغيير أنماط الحياة في المجتمعات ليس بالأمر الهين!
ينبغي أن يستوعب المعنيون بتخطيط المدن أمورا كثيرة في مخططاتهم، مثل أرصفة مناسبة للمشاة، ومسارات للدراجات الهوائية، وحدائق ومتنزهات نظيفة تشجع على قضاء وقت سعيد خارج المنزل. وكذلك ينبغي تشجيع المطاعم والمقاهي على تقديم وجبات صحية بأسعار معقولة، ولا يقل عن ذلك أهمية ضرورة إنشاء مراكز أحياء فاعلة تحقق رغبات الناس، وهذه الإجراءات لا تمنح مزيدا من الصحة والعمر المديد فقط، لكنها تخفض تكاليف الرعاية الصحية وتحد من ساعات العمل المهدرة بسبب الإصابة بالمرض.

إنشرها